
في عام ١٩١٩، خرج ضابط بريطاني من الحرب العالمية الأولى يحمل تعبها وأسئلتها. كان اسمه رونالد فيكتور كورتني بودلي، وكانت أمامه حياة يعرف طريقها جيدًا، بما فيها من مكانة وعلاقات وفرص. ثم اتخذ قرارًا سيغيّر السنوات التالية من عمره: ذهب ليعيش بين العرب في الصحراء الجزائرية، بحثًا عن شيء افتقده وسط تلك الحياة. كان يريد أن يهدأ.
امتدت إقامته هناك سبع سنوات. وهي تجربة ستظل حاضرة في كتاباته، وفي نظرته إلى الإنسان وما يصنعه القلق بحياته. وبعد أعوام من السفر والعمل والكتابة، أصدر عام ١٩٥٥ كتابه «بحثًا عن السكينة»، الذي أعمل هذه الأيام على ترجمته إلى العربية، ليصدر عن دار شفق مطلع عام ٢٠٢٧.

تستوقفني في حكاية بودلي المسافة التي قطعها بين الحياة التي نشأ عليها والحياة التي اختار أن يجرّبها. فقد تلقّى تعليمه في إيتون وساندهيرست، وخدم في الجيش، وعرف أجواء العمل الدبلوماسي. ثم وجد نفسه يتعلّم من أناس تختلف ظروفهم ومقاييسهم عن كل ما اعتاده. وفي كتابه السابق «ريح في الصحراء»، روى كيف دفعته تلك الصحبة إلى مراجعة قيم كان يقبلها من غير أن يتوقف طويلًا عندها.
وهذا أحد الأسئلة التي تجعلني مهتمًا بتقديم كتابه للقارئ العربي:
كم من الأشياء التي نتعب في سبيلها اخترناها عن اقتناع؟ وكم منها ورثنا أهميتها من المحيطين بنا، ثم مضينا نحملها ونقيس أنفسنا بها؟
قد يقضي الإنسان سنوات يحاول أن يبلغ مكانة بعينها، أو يحافظ على صورة رسمها الآخرون له، حتى تصبح مراقبة تلك الصورة عملًا يوميًا مرهقًا. وحين يسأل نفسه عمّا يريده فعلًا، يكتشف أن السؤال تأخر كثيرًا.
في «بحثًا عن السكينة»، يجمع بودلي بين حكايته الشخصية وتأملاته في القيم التي نعيش وفقها. وتبقى خبرته بين العرب من المنابع الأساسية لهذه التأملات، بما فتحته أمامه من طرق أخرى لفهم الحياة والتعامل مع مشقتها. وقد لفت هذا الجانب أنظار بعض من كتبوا عن الكتاب عند صدوره، ورأوا فيه دعوة إلى فحص المسلّمات التي نحملها عن النجاح والعيش الطيب.

تغريني هنا أيضًا رحلة الأفكار نفسها. كاتب بريطاني عاش بين العرب، وتأثر بما رآه في حياتهم، ثم كتب تجربته بالإنجليزية. وبعد عقود، نعيد قراءة هذه التجربة بالعربية. هناك شيء يستحق التأمل في أن تعود إلينا بعض المعاني المألوفة وقد مرّت بعين إنسان جاء من ثقافة أخرى. قد نرى عندها ما اعتدناه حتى غاب عن انتباهنا، وقد نختلف مع بعض ما فهمه أو عمّمه. وفي الحالتين تظل القراءة مجالًا للحوار.
وأنا أعمل على الترجمة، أحرص على أن يصل الكتاب بلغة عربية واضحة وقريبة، تحفظ صوت صاحبه وتتيح للقارئ أن يمضي معه في حكايته وأسئلته. أريده كتابًا تُقرأ صفحاته براحة، وتبقى بعض أفكاره مع القارئ بعد أن يغلقه.
سيصدر «بحثًا عن السكينة» مطلع عام ٢٠٢٧ عن دار شفق. وحتى ذلك الحين، أواصل العمل على ترجمته، ومعي سؤال أجد أنه يستحق أن نتوقف عنده بين حين وآخر: ما الذي يستحق فعلًا كل هذا القلق الذي ننفق فيه أعمارنا؟



