الإدارةالاتزان الحياتيذكاء اصطناعي

هل ما زلنا نحرث بالطريقة نفسها؟

من مزرعة كلاركسون إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي: تأملات في العمل والوقت والاتزان

محراث تقليدي ومزرعة تستخدم آلة حديثة يمتدان إلى مكتب عليه حاسوب وكتب، في لوحة مائية ترمز إلى تغير أدوات العمل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي.

اشتهر الإعلامي البريطاني جيريمي كلاركسون بتقديم برنامج السيارات «توب جير» لسنوات طويلة. وقد شاهدته قبل مدة في تجربة مختلفة، يوثقها مسلسله «مزرعة كلاركسون»، حيث قرر أن يتولى بنفسه شؤون مزرعة يملكها في الريف الإنجليزي، ودخل إلى تفاصيل الزراعة بخبرة محدودة وأسئلة كثيرة.

كان يتعلم كيف يحرث ويبذر ويعتني بالحيوانات، ويسأل باستمرار: لماذا يفعل المزارعون هذا بهذه الطريقة؟ ألا توجد وسيلة أسرع وأقل مشقة؟ وكان أحيانًا يتمرد على نصائح من حوله، ويجرب ما يظنه اختصارًا ذكيًا، ثم تأتي النتيجة لتشرح له، شرحًا مكلفًا في بعض الأحيان، قيمة الخبرة التي تجاوزها!

وفي إحدى حلقات المسلسل، ذهب مع كاليب، المزارع الشاب الذي يعاونه، إلى هولندا، واطّلعا هناك على تقنيات متقدمة في إدارة المزارع. آلات تستعين بأنظمة التوجيه، وروبوتات تتولى بعض أعمال الزراعة، ووسائل لمراقبة الأرض والمحصول. أدهشه ما رآه، وعاد متحمسًا لاستخدام بعض هذه التقنيات في مزرعته، بعدما شاهد كيف يمكن إنجاز الأعمال التي يعرف مشقتها بطرق مختلفة تمامًا.

تذكرت كلاركسون هذه الأيام وأنا أتعلم التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، وأوظفهم في أعمال كانت تستنزف جانبًا كبيرًا من وقتي وطاقتي. وكلما رأيت مقدار ما اختصرته هذه الأدوات، حضرت في ذهني صورة المزارع الذي انتقل من محراث تجرّه دابة إلى آلة متقدمة تؤدي العمل في جزء من الوقت.

وأعني بوكلاء الذكاء الاصطناعي أدوات تستطيع، وفق ما نتيحه لها من صلاحيات، تنفيذ مهام متتابعة داخل البرامج والخدمات التي نستخدمها. نصف لها المطلوب، ونتابع عملها، ونراجع ما تنجزه. وقد أخذت أتعلم كيف أستفيد منها، فوجدت أن مساحة الاستفادة تتسع مع كل تجربة.

لدي، بحكم ارتباطي بأكثر من عمل، عدة صناديق للبريد الإلكتروني. والمرور عليها، وتنظيفها، والاطلاع على أحدث الرسائل، ومعرفة ما يحتاج منها إلى متابعة، عمل يتكرر كل يوم. وهناك شؤون دار النشر التي أديرها: ملفات الحقوق والعقود، ووثائق الكتب، والتواصل مع مؤسسات النشر والإنتاج، ثم تلك الفوضى التي تتوالد من ملفات التصميم والصور والنسخ المتعددة للكتاب الواحد.

كل مهمة من هذه قد تبدو صغيرة حين ننظر إليها منفردة. أما حين تجتمع، وتتفرع، ويحتاج بعضها إلى الرجوع إلى بعض، فإنها تستهلك ساعات، وتترك وراءها شعورًا متواصلًا بأن شيئًا ما ينتظر المتابعة. وقد بدأت أسند جانبًا واسعًا من هذه الأعمال إلى الوكلاء، وألمس الفرق في وقتي وفي مقدار انشغالي بتفاصيلها.

ولعل ما يحدث بعد كتابة مقالة يوضح الأمر أكثر. فقد تظن أن العمل شارف على الانتهاء حين تضع النقطة الأخيرة، ثم تجد أمامك تجهيز المادة للنشر، وإرفاق الصور، وكتابة المعلومات التي تساعد على ظهورها في محركات البحث، وإعداد المنشورات المناسبة لشبكات التواصل، وتوزيع مواعيدها ومتابعتها. لكل منصة متطلباتها، ولكل خطوة تفاصيلها التي ينبغي تعلمها وتذكرها.

كنت أحتاج إلى بذل هذا الجهد بنفسي، أو إسناده إلى متخصص مقابل تكلفة مالية. واليوم أصبح الوكيل يعينني على إدارة حملة إعلانية متكاملة لدار النشر، من تجهيز المواد إلى تنسيق نشرها وجدولتها بين المنصات. ويمتد ما يستطيع القيام به إلى متابعة ردود العملاء، وإبراز ما يحتاج منها إلى تواصل مباشر أو رد عاجل. هذه الأدوات تتطلب اشتراكات وتعلّمًا ومراجعة، وقد وجدت تكلفتها يسيرة بالمقارنة مع ما كانت تتطلبه هذه الأعمال سابقًا.

وصباح يوم كتابة هذه المقالة، وجدت نفسي أمام مثال آخر. تجمّد حاسوبي المحمول عند شاشة البدء، وبعد عدة محاولات لإعادة تشغيله، اشتغل ببطء شديد. وصفت المشكلة لوكيل الذكاء الاصطناعي، ومنحته صلاحية التحكم بالجهاز، فتولى فحصه ومعالجة المشكلة. وبعد دقائق معدودة، عاد الجهاز يعمل بسلاسة جعلتني أشعر بأنه أصبح كالجديد.

تذكرت ما كنت سأفعله سابقًا: البحث في الإنترنت، وقراءة الحلول، وتجربة خطوات أفهم بعضها وأحاول فهم بعضها الآخر، وربما انتهى الأمر بإعادة تهيئة الجهاز وتنصيب برامجه من جديد، أو حمله إلى محل صيانة وانتظار إصلاحه. هذه المرة استطعت العودة إلى عملي بعد دقائق. وكان هذا، بالنسبة إليّ، فرقًا يستحق التوقف عنده.

ومع تتابع هذه التجارب، أخذت أنتبه إلى أمر أعمق من اختصار الوقت. كنت أؤجل بعض الأعمال لأنني أعرف حجم الإجراءات التي تنتظرني وراءها. تكون الفكرة حاضرة، والرغبة موجودة، ثم أتذكر ما سيتطلبه التنفيذ من متابعة وترتيب، فأترك العمل كله لوقت آخر. كانت مشقة المهمة تبدأ في ذهني قبل أن أشرع فيها.

وحين خفّ هذا العبء، صار الإقدام أيسر. وهنا تساءلت: كم من مشروع صرفنا النظر عنه لأننا حسبنا تكلفته بأدوات الأمس؟ وكم من قرار بالتأجيل ما زلنا نحترمه، مع أن الظروف التي اتخذناه فيها قد تغيرت؟ ربما يحتاج بعض ما وضعناه جانبًا إلى مراجعة جديدة، فقد أصبحت لدينا قدرة على تنفيذه تختلف عما كنا نملكه يوم تركناه.

وتغير الأدوات يغيّر كذلك المهارة المطلوبة منا. صار عليّ أن أتعلم كيف أحدد المهمة بدقة، وأشرح النتيجة التي أريدها، وأضع حدود الصلاحيات، وأراجع ما تم إنجازه. ويظل القرار ومسؤولية اعتماده عندي. فالوكيل قد يخطئ في الفهم أو التنفيذ، وجودة استخدامه تتصل بقدرتنا على التوجيه والفحص، وبمعرفتنا متى يحتاج العمل إلى خبرة متخصصة.

ثم إن القدرة على إنجاز المزيد تستحق شيئًا من التأمل. يمكن أن نملأ كل ساعة استعدناها بمهام إضافية، ونجد أنفسنا بعد مدة في الدوامة نفسها. وهنا يحضر الاتزان الحياتي الذي طالما تناولته في كتاباتي وتدريبي؛ فالوقت الذي نستعيده يمنحنا فرصة لإعطاء جوانب حياتنا نصيبها من العناية. بعضه لفكرة مؤجلة، وبعضه للأسرة، وبعضه لصحتنا وراحتنا. وتظل مسؤوليتنا أن نختار كيف ننفق هذا الوقت، حتى تتحول سهولة العمل إلى حياة أكثر اتزانًا.

لهذا أدعوكم إلى تعلّم الذكاء الاصطناعي بجدية، والتعمق في استخداماته إلى أقصى حد تستطيعونه. خصصوا له وقتًا، وجرّبوه في أعمالكم الحقيقية، وتعلموا كيف توجهونه وتراجعون نتائجه. خذوا مهمة تتكرر وتثقل عليكم، وابحثوا كيف يمكن أن يعينكم فيها، ثم انتقلوا إلى غيرها. وكلما اتسعت معرفتكم، أصبحتم أقدر على رؤية مواضع أخرى للاستفادة.

الذكاء الاصطناعي يغيّر وجه الحياة العملية حرفيًا. أقول ذلك من واقع ما بدأت ألمسه في يومي، وفي أعمال كانت تستهلك طاقتي، وفي المسافة التي أخذت تقصر بين الرغبة في إنجاز شيء والقدرة على الشروع فيه.

وأعود إلى كلاركسون ومزرعته. سيظل للأرض ما تحتاجه من معرفة وعناية، وللمزارع ما يقع عليه من مسؤولية، وتتغير الأدوات التي تساعده على القيام بذلك. أما السؤال الذي بقي معي من تجربته، وأخذت أطرحه على نفسي، فهو: في أي جوانب عملي ما زلت أحرث بالطريقة القديمة، مع أن أداة أنسب أصبحت في متناولي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى