الاتزان الحياتي

والساعة الآن لي

تأملات في التقاعد بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل

قارب صغير يغادر المرسى نحو شمس مشرقة، في تعبير عن رحلة التقاعد وبداية مرحلة جديدة.

كنتُ أرى في الأفلام الموظف الذي يترك عمله يجمع حاجاته في صندوق كرتوني صغير، ثم يحمله ويمضي نحو الباب، تصحبه موسيقى حزينة. وحين جاء دوري اكتشفتُ أنّ الأفلام كانت تكذب عليّ طوال هذه السنين.

اثنان وعشرون عامًا ملأتُ خلالها مكتبي بالكتب والحاجات الخاصة والنماذج الصغيرة والتذكارات. أشياء دخلت واحدة واحدة، على مهل، ثم وجدتُ نفسي مطالبًا بإخراجها كلها دفعة واحدة. احتجتُ إلى صناديق كثيرة، وإلى سواعد من يعملون معي، وإلى أكثر من رحلة بالسيارة بين المكتب والمنزل. وهكذا انتهت سنواتي الإدارية بفريق عمل أخير: فريق نقل الصناديق.

كنت أعرف أنني جمعت أشياء كثيرة، وأثناء جمعها أدركت كم مضى عليّ في هذا المكان. نعتاد المكتب حتى تكاد أشياؤه تختفي من انتباهنا، ثم نعود فنراها حين نتهيأ لمغادرته. ولعل هذا بعض ما يجعل الرحيل عن مكان ألفناه أثقل مما توقعنا، حتى حين نكون قد اخترناه بأنفسنا وانتظرناه.

وفي ذلك اليوم حرصتُ على أن أقدّم هدية لكل زميل في الإدارة. العرف أن يتلقى المتقاعد الهدايا، لكنني رغبتُ أن أعكس الآية.

في آخر يوم من سبتمبر ٢٠٢٦ أغلقتُ صفحة امتدّت أكثر من ثلاثين عامًا، تنقلتُ فيها بين ثلاث وظائف نظامية، كان آخرها وأطولها عملي طبيبًا في الطب المهني ومديرًا للمركز الطبي في شركة إيكويت للبتروكيماويات.

واليوم أعلن، بكامل قواي العقلية وبما تبقّى من قواي الإدارية، استقلالي عن ساعة الدوام.

ثلاثون عامًا كانت الساعة خلالها تعرف ما ينبغي أن أفعله في الصباح. موعد للحضور، ومواعيد للاجتماعات، وموعد للانصراف، وبينها أعمال ومسؤوليات تتوزع على الوقت المتاح. ومع مرور السنوات يصبح هذا النظام جزءًا من الإنسان، حتى إن فكرة مغادرته تحتاج إلى شيء من التدريب.

أما الاجتماعات فقد أخذت نصيبها الوافر من عمري. وبعضها، كما يعرف كل من عاش الحياة الإدارية، ينتهي إلى الاتفاق على اجتماع آخر، ثم اجتماع للمتابعة، حتى يكاد الموضوع نفسه يتقاعد قبل أصحابه. ومن الإنصاف أن أعترف بأن بعض الفرق التي كنت أتذمر من كثرة اجتماعاتها شكّلتُه بنفسي. ولعلّ أحدًا جلس في اجتماعاتي يتمنّى ما كنتُ أتمنّاه في اجتماعات غيري.

وقد انقسم من حولي حين عرفوا بقراري إلى فريقين: فريق بارك وشجّع، وفريق أشفق عليّ من الفراغ. تكررت أمامي عبارة: «ستملّ، ولن تعرف ماذا تصنع بكل هذا الوقت».

أتفهّم هذا القلق. فالعمل يمنحنا، إلى جانب الرزق، نظامًا لليوم وصلات بالناس. وأنا أحتاج بدوري إلى أن أكتشف كيف سأعيش الأيام التي طالما تمنيت أن أملكها.

وأما السأم، فقد وجدت عند زهير بن أبي سُلمى حسابًا يناسبني:

سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ
ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ

وأنا في السادسة والخمسين، أي إن أمامي، بالحساب الزهيري، أربعة وعشرين عامًا قبل أن يحق لي أن أسأم رسميًا.

ثم إن عندي ما ينتظر منذ زمن. كتب مؤجلة، ودار نشر أسّستها وأرغب في أن أمنحها مزيدًا من وقتي، ودورات قد أعود إلى تقديمها، وأسفار أفكر فيها. وأضيفت إلى هذه الاهتمامات مؤخرًا البرمجة وصناعة التطبيقات بالذكاء الاصطناعي، فوجدتُ نفسي أتعلم وأجرّب، وأفرح بما أنجزه فرح المبتدئ.

وكانت لي قبل سنوات دراجة نارية، وأفكر اليوم في العودة إلى الطريق، وإن كان طبيب الصحة المهنية في داخلي ما زال يطالب بتقييم المخاطر.

أعرف أن هذه الاهتمامات قد تملأ يومي بسهولة. وأعرف في نفسي ميلًا إلى الانشغال بأكثر من أمر في الوقت نفسه. لذلك سيكون عليّ أن أتعلّم شيئًا آخر أيضًا: أن أترك في اليوم فسحة، وأن أستمتع بها دون أن أسارع إلى ملئها بمهمة جديدة. بعد ثلاثين عامًا من الجداول، أظن أن هذا سيحتاج مني إلى بعض الجهد.

ومع كل هذا الفرح، أشعر بشيء من الحنين والقلق. اثنان وعشرون عامًا في مكان واحد تمنحانه موقعًا في حياتك يصعب اختصاره في كلمة «وظيفة». وثمة وضع مالي جديد سأعتاد عليه، وحسابات تحتاج إلى مراجعة، فالحرية، على جمالها، لا تسدّد الفواتير ولا تغطّي المصاريف.

ومن الأشياء التي شغلتني مؤخرًا الطباعة الثلاثية الأبعاد. طبعتُ نماذج كثيرة لقوارب صغيرة، وجعلتُ صورتها معرّفًا لبعض حساباتي في وسائل التواصل. وحين أتأملها اليوم، يحلو لي أن أرى فيها شيئًا من هذه الرغبة في الرحيل، كأنني كنت أجهز القارب على مهل، بينما أواصل الذهاب إلى المكتب كل صباح.

قضيتُ أكثر من ثلاثين عامًا أعمل في الطب، بدأتُها في الطب العام وختمتُها في طب العمل. حملتُ مسؤولياتي خلالها، وتعلمتُ، وأصبتُ وأخطأتُ. واليوم أشعر أنني منحت هذه المرحلة نصيبها من عمري، وأن عندي رغبة في تجربة ما بعدها.

أما إلى أين سيأخذني القارب، فسأعرف حين أبدأ الرحلة. ويكفيني الآن أنها أول رحلة في حياتي أستطيع أن أبدأها دون اجتماع تحضيري.

والسلام… بتوقيتي أنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى