الدوام يبدأ قبل الوصول

تخيّل أن تصل إلى عملك متعبًا، قبل أن تفتح بريدك الإلكتروني، أو تقابل أول مراجع، أو تبدأ المهمة التي تنتظرك. لقد أمضيت جزءًا من صباحك خلف المقود، تتحرك أمتارًا وتتوقف، تراقب الساعة، وتحاول تقدير الوقت المتبقي للوصول. وحين تسجّل حضورك، تكون قد أنهيت جولة من التوتر، ويُنتظر منك الآن أن تبدأ يومك بهدوء وتركيز.
هذا المشهد يستحق أن يدخل في حديثنا عن ضغوط العمل واتزان الحياة. فالطريق يستهلك من الموظف وقتًا وطاقة، وقد يصل أثره إلى المكتب قبله.
في الكويت، تقدم الأرقام سندًا لهذا الحديث. فقد بلغ مستوى الازدحام في مدينة الكويت، وفق مؤشر «توم توم» لعام ٢٠٢٥، نحو ٣٥٫٤٪، بارتفاع قدره ٣٫٨ نقاط مئوية عن العام السابق. وتعني هذه النسبة أن الرحلات تستغرق، في المتوسط، وقتًا أطول بنحو الثلث مقارنة بحركة المرور الانسيابية. وقدّر المؤشر الوقت الإضافي المفقود بسبب ازدحام الذروة بنحو ٤٦ ساعة سنويًا، وفق حساب يفترض رحلة بطول عشرة كيلومترات في كل اتجاه خلال ٢٣٠ يوم عمل. تختلف تجربة كل موظف بحسب طريقه وموعده، ويمنحنا الرقم تصورًا لحجم الوقت الذي يتسرب بين البيت والعمل.
وللانتظار كلفة تتجاوز دقائق الساعة. فقد ينشغل السائق باحتمال التأخر، وباجتماع سيبدأ، وبموقف سيارة سيحتاج إلى البحث عنه. وتضيف التصرفات المستفزة على الطريق جرعتها الخاصة. يصل أخيرًا، ثم يحتاج إلى وقت يستعيد فيه هدوءه واستعداده للتعامل مع الناس.
تضيء الأبحاث جانبًا من هذه التجربة. ففي دراسة منشورة عام ٢٠٢٤ في مجلة «سلوك السفر والمجتمع»، اعتمد الباحثون على استبيانات ويوميات ١١٠ موظفين، ووجدوا ارتباطًا بين الجهد الذهني المبذول في رحلة الصباح والإرهاق العاطفي عند الوصول إلى العمل، كما ارتبط هذا الإرهاق بأداء المهام. وأظهرت النتائج أهمية الطريقة التي يقيّم بها الموظف تجربته في الطريق؛ فالناس يتفاوتون في استجابتهم للظروف نفسها. تبقى هذه نتائج من سياق محدد، وتحتاج معرفة حجم الأثر في الكويت إلى دراسة محلية.
وهنا يخطر لي سؤال إداري: حين نراقب أداء الموظف، كم نعرف عن الظروف التي وصل فيها إلى مكتبه؟ قد نرى فتورًا في البداية، أو ضيقًا في الرد، أو صعوبة في التركيز. وتستحق رحلة الصباح أن تكون ضمن العوامل التي نفكر فيها، مع النوم والصحة وعبء العمل. فهم هذه العوامل يساعدنا على تحسين الأداء والتعامل معه بإنصاف.
ثم هناك النصف الآخر من الرحلة.
ينتهي الدوام، ويبدأ انتظار العودة. وقد يجد الموظف نفسه يحسب ما تبقى من يومه وهو بين السيارات: موعد مع الأسرة، مشي أجّله، كتاب يريد قراءته، أو زيارة وعد بها. وكل دقيقة إضافية في الطريق تُقتطع من المساحة المتاحة لهذه الأشياء. وقد يحتاج عند وصوله إلى فترة يستريح فيها، فتضيق المساحة أكثر.
حين نحسب كلفة الوظيفة على حياتنا، يستحق الطريق خانة مستقلة في الحساب. ساعة يوميًا في الذهاب والعودة تعادل خمس ساعات في أسبوع عمل من خمسة أيام. هذا مثال حسابي بسيط، يستطيع كل منا أن يضع مكانه رقمه الفعلي، ثم يسأل: ماذا يأخذ الطريق من يومي؟ وما الذي أؤجله بسببه؟
ومن هنا، أرى أن مرونة مواعيد الحضور تستحق تجربة جادة في الجهات التي تسمح طبيعة عملها بذلك، مع قياس أثرها في زمن التنقل وجودة الخدمة. وكذلك توزيع بدايات الدوام، وإتاحة إنجاز بعض المهام عن بُعد، ومراجعة الاجتماعات التي تستدعي حضورًا يمكن الاستغناء عنه. وتظل وسائل النقل العام وتخطيط الطرق وتوزيع الخدمات جزءًا أساسيًا من المعالجة.
أما الموظف، فيمكنه أن يختبر توقيتًا أهدأ حين تتاح له المرونة، وأن يخفف ما يضيفه بنفسه إلى توتر الطريق، من استعجال ومكالمات عمل وملاحقة مستمرة للساعة. ويستحق أيضًا دقائق هادئة عند الوصول، قبل الانشغال بمطالب اليوم.
اعتدنا أن نسأل الموظف: متى حضرت؟
وأظن أن سؤالًا آخر يستحق اهتمامنا: بأي طاقة وصلت؟



