اجتماعيالإدارة

بسكوت التأمينات

للمؤسسات سمعتها التي تصنعها أنظمتها وموظفوها وجودة خدماتها، ولها أحياناً تفاصيل صغيرة تستقر في ذاكرة الناس، حتى تصبح جزءاً من شخصيتها. وفي مؤسسة التأمينات الاجتماعية، كان بسكوت المطاحن الكويتية واحداً من تلك التفاصيل.

منذ سنوات بعيدة، اعتدنا سماع الإشادة بالتأمينات بوصفها من أفضل المؤسسات الحكومية تنظيماً وخدمةً للمراجعين. مكان نظيف، وصالات مرتبة، وإجراءات تُنجز بسرعة، ومعاملة طيبة يتحدث عنها الناس بعد مغادرتهم. وكانت هذه السمعة تقترن، في أحاديث كثيرة، بابتسامة تأتي مع ذكر الشاي والقهوة وبسكوت المطاحن.

قد يذهب المرء لاستخراج شهادة، أو للاستفسار عن وضعه التأميني، أو لإنجاز معاملة تقاعده، فيجد في انتظاره شيئاً من الضيافة يخفف ثقل المراجعة. يأخذ رقمه، ويجلس، ويشرب الشاي، ويأكل البسكوت، ثم يخرج وقد اجتمعت لديه راحة إنجاز المعاملة ولطف الاستقبال. هكذا صار البسكوت، على بساطته، جزءاً من صورة المؤسسة في أذهان مراجعيها.

ومنذ مدة، بدأ بعضهم يتحدث عن اختفائه. أين ذهب؟ ومتى توقف تقديمه؟ وما السبب؟ أسئلة صغيرة تتكرر لأن الناس اعتادوا وجوده، وكانوا يذكرونه أصلاً كلما تحدثوا عن التأمينات.

راجعت المؤسسة مؤخراً لإنجاز معاملة تقاعدي، بعد انتهاء خدمتي في نهاية سبتمبر، ولاحظت بدوري غياب البسكوت. أما سبب اختفائه فلا أعرفه، وأترك تفسيره لمن يعرف.

كل ما أستطيع قوله إن تفصيلاً صغيراً نجح في لفت الأنظار بحضوره، ثم نجح مرة أخرى في لفتها بغيابه.

وربما تنضم حكاية البسكوت إلى الحكايات التي يتناقلها مراجعو التأمينات، ومنها تلك النصيحة الطريفة المتعلقة بالاستفسار عن إجراءات التقاعد وحسبته: إذا راجعت ولم تعجبك الإجابة، فجرّب المراجعة في يوم آخر، أو اسأل موظفاً آخر، فقد تسمع إجابة تعجبك أكثر!

هذه نصيحة يتداولها بعض المتقاعدين، ويصعب أن تعرف وأنت تسمعها مقدار المزاح فيها ومقدار التجربة. وقد يكون وراء اختلاف الإجابات تفاوت في شرح الحالة، أو نقص في المعلومات، أو اختلاف في فهم السؤال. ويبقى أثرها عند المراجع واحداً: حيرة تدفعه إلى السؤال مرة أخرى، وربما إلى اختيار الإجابة الأكثر ملاءمة لتوقعاته.

والحسبة التقاعدية تحديداً تستحق أن يخرج صاحبها بفهم واضح واطمئنان. فالمتقاعد يرتب على أرقامها التزاماته وحياته المقبلة، ويحتاج إلى إجابة يستطيع الاعتماد عليها، مع شرح أسبابها والعوامل التي قد تغيّرها. ومن الطبيعي أن تختلف الحسبة باختلاف الحالات، وأن تتسق الإجابة حين تكون الحالة والمعطيات واحدة.

للتأمينات رصيد طيب في ذاكرة كثير من مراجعيها، وقد ساهمت في صنعه تفاصيل كبيرة وصغيرة، من كفاءة الخدمة إلى بسكوت المطاحن. والمحافظة على هذا الرصيد تبدأ من تجربة المراجع كاملة، وخصوصاً ما يحمله معه عند خروجه من معلومات.

أما البسكوت، فنتمنى عودته. ومن الجميل أن يجده المتقاعد في زيارته المقبلة، وأن يجد معه إجابة واضحة تغنيه عن زيارة أخرى.

حتى تصبح النصيحة المتداولة: اذهب مبكراً، وأنجز معاملتك، والحق على البسكوت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى