الاتزان الاجتماعي

من حقّ صديقك عليك

في آداب الصحبة واحترام الخصوصية والوقت الخاص

توقفت عند هذا المعنى: من حقّ الصديق على صديقه أن يتجنب محاصرته بالأسئلة كي لا يدفعه إلى الكذب.

قد يبدو الأمر بسيطًا، فنحن نسأل أصدقاءنا لأننا نهتم بهم، ونريد الاطمئنان عليهم ومعرفة أخبارهم. ومن الطبيعي أن نعرف عنهم أكثر مما يعرفه الآخرون. غير أن هذا القرب قد يجعل بعضنا يتصور أن من حقه معرفة كل شيء، وأن على صاحبه أن يجيبه عن كل ما يسأل عنه، وإلا كان في صداقتهما شيء يستدعي الشك!

يسأل أحدنا صاحبه عن أمر، فيجيبه باختصار، فيستزيد. يحاول صاحبه تغيير الموضوع، فيعيده إليه، ثم يقول له: «حتى أنا؟ تخفي عني أنا؟». وهكذا يجد الصديق نفسه مطالبًا بأن يكشف ما يريد الاحتفاظ به، أو يبحث عن جواب يخلّصه من هذا الموقف. وقد يكذب، ثم نعاتبه على كذبه، دون أن نتوقف عند إلحاحنا الذي ضيّق عليه فرصة الاعتذار عن الإجابة.

والكذب يظل مسؤولية صاحبه بطبيعة الحال. وما أتحدث عنه هنا هو نصيبنا نحن من أدب الصحبة، وقدرتنا على ملاحظة الحرج والتوقف عنده. فربما كان الأمر متعلقًا بأسرته، أو بسر ائتمنه عليه شخص آخر، وربما أراد ببساطة أن يحتفظ به لنفسه. وهذا حقه، مهما بلغت مكانتنا عنده.

وأظن أن هذا المعنى يمتد إلى أمور كثيرة في علاقاتنا بأصدقائنا. فمنهم من يضيق إذا عرف أن صاحبه خرج مع آخرين، أو ذهب إلى مكان دون أن يخبره. وقد يبدأ العتاب قبل أن يسأل نفسه: لماذا ينبغي أن أكون حاضرًا في كل تفاصيل حياته؟

للصديق أوقات تخصه، وله أصحاب آخرون، واهتمامات قد نشاركه بعضها ونجهل بعضها الآخر. وقد يرغب في الجلوس وحده، أو المشي وحده، أو شرب قهوته في مكان لا يعرفه فيه أحد. ومن حقه أن يستمتع بذلك كله دون أن يشعر بأنه مطالب بتقديم عذر لنا.

حتى اعتذاره عن لقائنا لا يعني بالضرورة أنه مشغول بموعد أو عمل. قد يكون متعبًا من الكلام، أو محتاجًا إلى بعض الهدوء. وأجد أن من المؤسف أن يضطر الإنسان إلى اختراع انشغال حتى يحمي وقتًا يريد أن يقضيه مع نفسه، لأن القول بذلك بصراحة سيُقابل بالزعل وسوء الفهم.

وينطبق الأمر على الهاتف أيضًا. نراه متصلًا، فنستغرب أنه لم يجب عن رسالتنا. وقد نحاسبه على صورة نشرها أو تعليق كتبه، كأن وجوده على الهاتف يلزمه بأن يكون متاحًا لنا. ولعلنا نعرف من أنفسنا أن الرغبة في تصفح شيء تختلف عن الاستعداد للدخول في حديث.

ومن أدب هذه الصحبة كذلك أن نحفظ ما باح به الصديق، وأن نتجنب إحراجه بمزاح يضايقه، وأن نقبل اختلافه معنا. فالألفة تستدعي مزيدًا من مراعاة مشاعره، والمعرفة الطويلة به يفترض أن تجعلنا أقدر على فهم ما يؤذيه.

وبطبيعة الحال، تحتاج الصداقة إلى سؤال واهتمام ووفاء. فمن ارتبط بموعد احترمه، ومن اعتذر أحسن الاعتذار، ومن غاب طويلًا طمأن أصحابه عليه. ولكل طرف في هذه العلاقة مشاعره التي تستحق المراعاة.

أظن أن السؤال الذي يجدر بنا أن نسأله لأنفسنا هو: هل يرتاح أصدقاؤنا في صحبتنا؟ هل يستطيعون الاعتذار، والصمت، والاختلاف، دون أن يخشوا عتابًا طويلًا؟

من حقّ صديقك عليك أن يقول لك: «أريد أن أجلس وحدي اليوم»، ثم يلقاك غدًا دون أن يضطر إلى الدفاع عن محبته لك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى