
كان أبي رجلًا من الجيل القديم.
من ذلك الجيل الذي لا يشرح نفسه، ولا يرى في الحياة مساحةً للشكوى.
لم أعرف على وجه الدقة متى وُلد. لم يكن يحتفظ بتاريخ ميلاده، ولم يكن هذا مهمًا في بيئته. وُلد في البادية، حيث الفقر ليس حادثًا طارئًا، بل حالة تصوغ الإنسان من الداخل: نظرته إلى المال، وإلى الناس، وإلى معنى الكفاية وحدود الطمع.
من البادية نزل إلى مدينة الكويت. لم يكن يبحث عن فرصة ولا عن مستقبل أفضل بالمعنى المتداول اليوم. كان يبحث عن لقمة العيش، وعن إعالة من تبقّى من أهله.
عمل بيده في كل ما أتيح له: في البناء، وفي قيادة التاكسي. لم يقترب من البحر يومًا. هو ابن بيئة لا تعرف البحر ولا تثق به. البحر عندهم مخاطرة، والبر أوضح طريقًا وإن كان أقسى.
استقر لاحقًا عاملًا في شركة نفط الكويت في سنوات التأسيس الأولى، ثم عمل فترة مع نقابة عمال النفط. لم يدخل مدرسة نظامية، لكنه تعلّم القراءة والكتابة، وشيئًا من الحساب، وقدرًا من الإنجليزية يكفيه للعمل. كان تعلّمه مرتبطًا بالحاجة وحدها.
زامل الإنجليز في بداياته، وتعلّم منهم الانضباط. صار الانضباط عنده طبعًا. يحب البكور، وإنجاز الأعمال في أول النهار، والعودة إلى البيت مبكرًا. كان يرى الليل وقتًا للسكون، ولا يستسيغ الخروج بعد غروب الشمس.
العمل عنده التزام أخلاقي. لم يكن وظيفة ولا هوية اجتماعية. حين أزوره صباحًا، كان يسألني دائمًا: هل تعمل اليوم أم أنت في رخصة؟ كان يقيس اليوم بالعمل. اليوم الذي بلا عمل يوم ناقص، حتى لو كان يوم راحة.
كان شديد الاعتداد برأيه. لا يحتمل أن يرى شيئًا معطّلًا في بيته. يبادر إلى إصلاح الأشياء بنفسه. لا يؤجّل الأعطال، ولا يتعايش معها، ولا يطلب من أحد أن يقوم مقامه إلا عند الضرورة. حتى آخر ليلة في حياته، كان منشغلًا بإصلاح شيء ما في البيت، رغم التعب، ورغم خذلان الجسد.
في المال، كان ابن زمن مختلف. عُرضت عليه أراضٍ في شبابه، فرفض. كان يرى الصحراء كلها ملكًا مشاعًا. الأرض عنده تُسكن ولا تُختزل في صك. صرف ماله في الغنم والإبل. أشياء حيّة، تتحرك، تتكاثر، وتُذبح فتُؤكل.
حين كبر، كان يضحك ويقول: كنا سذّجًا… الحلال مات، والأراضي بقيت. قالها بسخرية هادئة، لا بندم.
دخل سوق المناخ. كسب منه. لم يصبح ثريًا، لكنه خرج في الوقت المناسب. شعر بالخطر قبل وقوعه، وانسحب. كان يعرف متى تتحول الفرصة إلى فخ.
في كِبره، صار يتحفّظ في الإنفاق. كان يرى المال جدار صدّ. احتياطًا للأيام. شيئًا يُمسك به قبل الحاجة.
كان طعامه بسيطًا. قليل الأصناف. ما لم يألفه قديمًا، لم يسعَ إلى تعوّده لاحقًا. لم يعرف الفواكه والخضار في البادية، ولم تعنِ له الكثير حين توفّرت. أكل التمر، وتمسّك به حتى بعد إصابته بالسكري. كان يقول بثقة إن التمر لا يضر.
كان يرفض الهدايا. يقول إنه مكتفٍ. يعرف ما يريد، ويعرف ما لا يريد.
لم يكن يعبّر عن مشاعره معنا نحن الأبناء. لم يحتضننا في صغرنا، ولم يقل لنا إنه يحبنا. كان حبّه رعاية والتزامًا. لم يقصّر معنا يومًا.
مع بناته كان أكثر حنانًا. كان يُظهر لهن ما لا يُظهره لنا.
علاقته بأمي كانت هادئة. قائمة على الاحترام. لم أسمع صوتًا مرتفعًا بينهما. لم يكن يُظهر مشاعره أمامنا، لكنه كان ينشغل بها حين تغيب، ويسأل عنها، ويترقّب عودتها. لم يقل يومًا: أشتاق. كان القلق كافيًا.
في كِبره، ازداد قربًا من أحفاده.
لم نرَ دمعته إلا ثلاث مرات: عند وفاة أمه، وعند وفاة ابنه وهو في الحادية والعشرين من عمره، ومرة ثالثة بقيت له.
في شيخوخته، ظهرت ذاكرته كاملة. حفظ الأنساب، وتاريخ القبيلة، والشعر. صار مرجعًا يُقصد. صار عميدًا للأسرة دون سعي. سافر كثيرًا، وعاد بحكايات، ولم يكن يروي إلا إذا سُئل.
الآن أعرف أنني قصّرت. كان عليّ أن أسأل أكثر.
في أيامه الأخيرة، رفض السرير الطبي. قال: غيري أحوج. قالها وهو لا يستطيع الوقوف أو الجلوس إلا بمساعدة. لم يحب أن يكون عبئًا. عاش مرضه بخفّة.
كان الدين عنده فطريًا. يصلّي، ويصوم، ويعيش. لم يعظ، ولم يفرض رأيه. ومنذ بلغنا الرشد، تركنا نواجه حياتنا. ينصح إن سُئل.
عاش هادئًا.
ورحل بهدوء.
ليتني أيقظتك يا أبي.
كنت أزورك فأجدك نائمًا، فأجلس قليلًا وأغادر. ظننت أن النوم أولى من الكلام، وأن الوقت متّسع. لم يكن كذلك.
رحلت وأنا قد تجاوزت الخامسة والخمسين، وشعرت بيُتم طفل. كان وجودك عمود استقرار لي. لم أدرك ذلك إلا بعد غيابك. حين غبت، شعرت أن شيئًا كان يمسكني من الخلف، فانقطع.
الآن أنا الجيل الأكبر في العائلة. لا أحد أمامي. لا أحد أستند إليه. مجرد وجودك كان كافيًا.
رحمك الله يا أبي.




