اجتماعيعاطفي

حين أصبحتُ جدًّا

حين أصبحتُ جدًّا

عن الطفل الذي عاد.

رزقتُ حفيدًا، فشعرتُ فجأة أنني كبرتُ مئة عام.

حدث الأمر بسرعةٍ لم يُعدّني لها العمر الذي انقضى. قبل لحظةٍ فقط، كنتُ ذلك الفتى الذي يركض نحو الحياة باندفاع. ثم التفتُّ فجأة، فإذا بي أُدعى: “جدًّا”.

ما أغرب هذه الكلمة حين تهبط على الإنسان لأول مرة. أسمعها، فأشعر بشيءٍ من الفرح، وشيءٍ من الارتباك، وشيءٍ يشبه خوفًا خفيفًا بلا اسمٍ واضح.

كيف وصلتُ إلى هنا بهذه السرعة؟ كيف عبر الزمن من حولي دون أن أشعر به، وهو يبني هذه المسافة الطويلة بين الطفل الذي كنته، والجدّ الذي أصبحتُه؟

أتذكّرني طفلًا يركض وراء دهشته، ثم شابًا يظن أن العمر طريقٌ طويل لا نهاية له. والمربك أن كل تلك النسخ القديمة مني ما تزال تسكنني حتى الآن؛ ما تزال الدهشة توقظني، وما يزال ذلك الفضول القديم يدفعني لأقترب من الحياة، ألمسها وأقلبها بين يديّ وأسأل عنها.

لكنني أتساءل أحيانًا: هل هذا الشعور حقيقي فعلًا؟ أم أننا نحكي لأنفسنا قصةً جميلة عن أننا لم نكبر؟

ربما الإجابتان صحيحتان في آنٍ واحد. الجسد لا يكذب: ظهري يذكّرني بنفسه كلما طال بي الجلوس، والتعب بات يأتي أبكر مما اعتدتُ. أما الروح فلا تزال ترفض ما يقوله عدَّاد العمر — وهذا الرفض ليس وهمًا؛ هو ذلك الجزء الذي يبقى فينا واقفًا عند لحظةٍ ما، يراقب السنوات تمرّ دون أن يغادر مكانه بالكامل.

وحين جاء حفيدي، جاء بكل هذا معه دفعةً واحدة. كنتُ سعيدًا به سعادةً تملأ الصدر ولا تجد طريقها إلى الكلام، لكنني في الوقت نفسه كنتُ أحدّق في وجهه طويلًا، كأنني أبحث فيه عن وجهٍ أعرفه منذ زمنٍ بعيد. وربما لم أكن مبتعدًا عن الطفل الذي كنته كما ظننت؛ ربما حصل ذلك الطفل على فرصةٍ جديدة ليعود إلى الحياة.

أرجو فقط أن يمنحني العمر ما يكفي من الوقت لأرافق حفيدي في لعبه، حتى ننسى معًا فارق السنوات بيننا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى