كتابةنشر

كتبتُ كتابًا… فمن سيقرأه؟

بين توقعات الكاتب وحدود الناشر وتشتّت القارئ في الزمن الشبكي

لوحة مائية لكاتب عند مكتبه وصفحات تمتد نحو قراء بين الكتب والهواتف، تعبيرًا عن رحلة الكتاب إلى جمهوره في الزمن الشبكي.

تابعت ما طرحه الكاتب ياسر مدخلي حول قصة الكاتب الجزائري حامد ياسين، الذي تناولت تغطيات صحفية بكاءه في حفل توقيع كتابه بسبب ضعف الحضور. تساءل ياسر عن موضع الخلل: في الجمهور، أم في منظومة النشر والتسويق، أم في توقعات الكاتب؟ استوقفني السؤال، فأنا كاتب وناشر، وأجدني أحيانًا أتلقى الشكوى وأجهز الرد عليها داخل رأسي، ثم أحاول الصلح بين الطرفين.

أتفهم ألم الكاتب حين ينتظر من يشاركه فرحته بكتابه. فالنسخة الموضوعة أمامه تحمل شيئًا من عمره، ومن الساعات التي أمضاها يكتب ويمحو ويراجع. وقد يرى في المقاعد الفارغة حكمًا على ذلك الجهد كله. أما تفاصيل تلك المناسبة وترتيباتها، فتحتاج معرفة أوسع قبل توزيع المسؤوليات. وما يعنيني هنا هو السؤال الذي يتكرر، بصور مختلفة، بين الكتّاب والناشرين.

نعيش زمنًا يستطيع فيه الكاتب الإعلان عن كتابه في دقائق، ثم يقضي شهورًا يحاول إقناع الناس بالالتفات إليه. فالقارئ الذي نخاطبه يتلقى في الشاشة نفسها خبرًا عاجلًا، ووصفة عشاء، ومقطعًا طريفًا، ورسالة من مديره، ثم يظهر له كتابنا مطالبًا بحصته من الاهتمام. ونحن، بطبيعة الحال، نراه أجدر بهذه الحصة من وصفة العشاء، وقد يكون القارئ جائعًا.

وبين مشاهدة الإعلان وشراء الكتاب وقراءته وحضور لقاء مع مؤلفه مسافات. فقد يعجب القارئ بالمنشور ثم يمضي، أو يشتري الكتاب ويضعه إلى جوار كتب تنتظر دورها منذ أشهر. وحتى المتابع المحب قد يقيم في بلد آخر، وتحتاج مشاركته في حفل التوقيع إلى تذكرة سفر قبل أن تحتاج إلى نسخة من الكتاب.

ولهذا أرى أن فهم الجمهور، والمشاركة في التعريف بالعمل، وبناء صلة مستمرة بالقراء، أصبحت من لوازم المهنة لكل كاتب يتطلع إلى انتشار كتابه. الكتابة تحتاج عزلة، والوصول إلى القراء يحتاج أن نخرج منها بين حين وآخر.

وحين أتكلم بلسان الناشر، أعرف أن قدرة دار النشر على التسويق محدودة. فالدار التي تصدر عشرات العناوين، وتتابع إصداراتها السابقة، يتعذر عليها عمليًا أن تمنح كل كتاب حملة مكثفة بالقدر نفسه طوال الوقت. لكل مؤلف كتاب يحتل مركز اهتمامه، ولدى الناشر عشرات الكتب التي يطالب أصحابها بالمقعد نفسه.

وعلى الناشر أن يوزع ميزانيته ووقت فريقه بين أعمال تختلف موضوعاتها وجماهيرها وفرص وصولها. وقد ينتفع كتاب متخصص بلقاء صغير مع المهتمين بموضوعه أكثر مما ينتفع بإعلان يمر أمام آلاف الأشخاص المشغولين بأمور أخرى.

ولطالما رفضت نشر كتب كان جمهورها المتوقع محدودًا، بينما يتصور أصحابها انتشارًا واسعًا، ويصعب عليهم تفهّم الفارق. كنت أقدّر أننا مهما بذلنا، فستظل النتائج دون توقعاتهم، وسيعدّون ذلك تقصيرًا منا. وفي هذه الحال يصبح قبول الكتاب قبولًا بخلاف مؤجل، نعرف موعد بدايته تقريبًا، ونجهل متى ينتهي.

هناك كتب جيدة تخاطب دائرة صغيرة، وموضوعات تهم فئة محددة، وتجارب شخصية عزيزة على أصحابها، ويحتاج القارئ إلى سبب يقرّبها منه. يستطيع التسويق تحسين فرص الوصول، وتبقى لطبيعة الكتاب وحدود الاهتمام به كلمتها.

وميزانية الإعلان، مهما اتسعت، تعجز عن إصدار تكليف للناس بأن يهتموا.

ومن واجب الناشر أن يقول ذلك بوضوح قبل التعاقد، وأن يشرح ما سيقدمه، ثم يفي بما وعد. كما أن عليه مراجعة عدد إصداراته إذا اتسعت قائمته إلى حد يعجز معه عن العناية الأساسية بكل عنوان. فالحديث عن محدودية الموارد يلزمنا نحن الناشرين بحسن إدارتها أيضًا.

وفي المقابل، يحتاج الكاتب إلى أن يسأل نفسه مبكرًا: من قارئي؟ أين أجده؟ وما الذي سيجعله يهتم بهذا الكتاب؟ ثم يشارك في تقديم أفكاره، ويتعاون في الحوارات واللقاءات، ويصبر على نمو علاقته بالقراء. فمن الصعب أن نغيب عنهم طويلًا، ثم نطل حاملين كتابًا ونتوقع أنهم أخلوا جدولهم لاستقبالنا.

ولكل كاتب طريقته. قد يجد أحدهم نفسه في المقالات، وآخر في اللقاءات، وثالث في نشرة بريدية أو نادٍ للقراءة. المهم أن يختار جهدًا يستطيع الاستمرار فيه، ويحفظ معه وقت الكتابة، وإلا أمضى يومه يحدث الناس عن الكتاب الذي منعه انشغاله بهم من تأليفه.

وأعرف أن كاتبًا جيدًا قد يكون قليل الحضور، ضعيف المهارة في تقديم نفسه. وهنا تظهر قيمة الناشر في مساعدته واختيار الوسيلة الملائمة له. فالمهارة في الظهور وجودة الكتابة موهبتان قد تجتمعان، وقد تحتاج إحداهما إلى من يسندها.

أعود إلى سؤال ياسر، وأجد أن كثيرًا من الإجابة يبدأ قبل طباعة الكتاب: في فهم جمهوره، ووضوح التوقعات، واتفاق الكاتب والناشر على ما سيفعلانه معًا. أما القارئ، فمن حقه أن يختار أين يضع وقته وماله. ومهمتنا أن نعطيه سببًا مقنعًا ليختار كتابنا، ثم نترك له فرصة أن يحبه بطريقته، ولو قرأه في بيته وفاتته صورة حفل التوقيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى