الاتزان الحياتيكتب

تأملات في كتاب “إبطاء وتيرة الحياة”

كم تذكر من عمرك؟

قبل سنتين تقريبًا، قررنا في دار شفق أن نترجم كتاب “إبطاء وتيرة الحياة – إدارة الوقت الداخلي” للكاتب هارولد تايلور. كانت مغامرة صغيرة. أقول ذلك لأن السوق مكتظ بكتب عن إدارة الوقت؛ عشرات العناوين تصدر كل موسم لتعدك بأن تنجز أكثر في وقت أقل، وأن تصبح أكثر إنتاجية، وأن تحقق أهدافك بكفاءة أعلى. وكلها تنظر للوقت كمورد يجب استثماره، وكأصل يجب تعظيم عائده!

لكن هذا الكتاب كان يتحدث عن شيء آخر تمامًا. تايلور يطرح سؤالًا فلسفيًا: ما الوقت؟ وكيف نعيشه؟ ولماذا يبدو أنه يمر بسرعة متزايدة كلما كبرنا؟

وجدته يعامل الوقت كتجربة وجودية، ولهذا قررت أن نترجمه. الكتاب يتحدث عن الذاكرة والحضور والمعنى، عن علاقتنا بحياتنا، لا عن علاقتنا بجدول المواعيد. توقفت عند جملة لافتة وقتها: “إحساسنا بسرعة الوقت هو في الأساس وظيفة من وظائف الذاكرة“.

فكرت فيها كثيرًا. الوقت إذن ليس ذلك التتابع الميكانيكي للثواني والدقائق. هو نسيج من الذكريات. والحياة القصيرة؟ ليست تلك التي تنتهي باكرًا، وإنما تلك التي لا نتذكر منها شيئًا.

انظر الآن، على سبيل المثال، إلى الأسبوع الماضي. كم يومًا تستطيع أن تميزه بعينه؟ وهنا لا أقصد أن تتذكر أنك ذهبت للعمل أو عدت للبيت. أقصد تفاصيل يوم محدد. أن تستعيد لحظة عشتها، شيئًا قلته، إحساسًا مر بك. غالبًا لن تجد كثيرًا.

يطلق تايلور على هذا الأمر “التشويش الارتجاعي“— حين تتشابه الأيام لدرجة أن الدماغ يعجز عن تفريقها. روتين الصباح نفسه، طريق العمل نفسه، اجتماعات لا تتذكر ماذا قيل فيها. هذه الأيام لم تدخل ذاكرتك. تعيشها في حينها، لكنك لن تملكها لاحقًا. كأنك تكتب على ماء.

إذا كانت الذاكرة هي ما يشكل ماضينا، وإذا كان الماضي جزءًا من هويتنا، فما معنى أن نعيش حياة سنفقدها بمجرد أن تنقضي؟ سؤال يدعو إلى التفكير، أليس كذلك؟

الكتاب يشير إلى شيء صعب جدا هذه الأيام: لكي تتذكر لحظة ما، يجب أن تعيشها حقًا. أن تكون هناك، في تلك اللحظة بالذات. لا أن يكون جسدك هناك فيما عقلك في مكان آخر. الدماغ لا يسجل ما لا ننتبه إليه.

كل تلك اللحظات التي عشناها مشتتين؟ نتصفح الهاتف أثناء الحديث مع صديق. أو نفكر في اجتماع الغد أثناء اللعب مع أطفالنا. أو نقود ونحن نحل مشكلات العمل في رأسنا. كل هذا لم نعشه. مر بنا، واختفى. بهذه اليساطة!

تايلور يقول أيضا: “نحن ما يقوله دماغنا عنا”.

أرجوك توقف عند هذه الجملة…

نحن ما نتذكره. الهوية ذاكرة، والذاكرة انتباه. من لا ينتبه لحياته… مَن يكون؟ (أحيانًا أفكر في هذا حين أجد نفسي أتصفح الهاتف لفترة طويلة دون أن أتذكر ماذا شاهدت. فترات معتبرة من عمري، اختفت!)

هذا ما جعلني أصر على ترجمة الكتاب. لا يتعامل مع الوقت كعدو يجب التغلب عليه. يتعامل معه كمادة خام لحياتنا، كنسيج نصنع منه ذواتنا. في مكان ما من الكتاب، يطلب منك تايلور أن تبطئ. ليس الكسل ما يعنيه، وإنما شيء أصعب: أن تعيش ما تعيشه بالكامل. أن تمنح كل لحظة حقها، وأن تفعل شيئًا واحدًا في كل مرة وتكون حاضرًا فيه.

الطلب يبدو بسيطًا؟ لكنه ثوري في عالم يقيس النجاح بالسرعة. البطء هنا موقف. رفض لفكرة أن الحياة سباق. حين تبطئ، تتيح للدماغ أن يلتقط ما يحدث، أن يسجل التفاصيل. والتفاصيل هي ما نتذكره لاحقًا. تلك اللحظة المحددة، ذلك الحوار، تلك الضحكة، العطر، ذلك الضوء الذي دخل من النافذة بطريقة معينة.

الحياة الروتينية؟ خطرة. لا لأنها مملة، فالملل يمكن تحمله وتجاوزه. وإنما خطرة لأنها تختفي. الدماغ يقوم بـ”فلترة” الأحداث المتكررة، يعتبرها غير جديرة بالحفظ. هذا الكلام منطقي بيولوجيًا وتطوريًا، لكنه كارثي وجوديًا. ركزوا وتأملوا في معناه ودلالاته فقط وستفهمون ما أقصد!

لهذا كانت سنوات الطفولة تبدو طويلة لأن كل شيء فيها جديد، وكل يوم مختلف. ثم نكبر. نستقر في عادات ثابتة. نختار الأمان على المغامرة. وتبدأ السنوات تمر مر السحاب.

حسنا، ما الحل؟

االكتاب يقترح التنوع وكسر العادة. تغيير الطريق المعتاد أحيانًا، والذهاب لمكان جديد، والحديث مع شخص لا تعرفه. ليس من باب “الترفيه عن النفس”، وإنما من باب صناعة الذكريات. أي صناعة حياة تستحق أن تُروى!

يقترح الكتاب أيضًا تدوين اليوميات. فكرة قديمة وربما يراها البعض طفولية، أعرف. لكن الكتابة تجبرك على الانتباه. تحول اللحظة العابرة إلى نص دائم. حين تعرف أنك ستكتب عن يومك في المساء، تعيشه بشكل مختلف. تلاحظ أكثر، تبحث عن ما يستحق أن يُكتب. لا تكتب لتوثق ما حدث فقط، وإنما تكتب لكي تعيشه مرة ثانية.

في مكان ما قرب نهاية الكتاب، يقول تايلور إننا نستطيع أن نعيش عمرًا قصيرًا يبدو طويلًا. أو العكس تمامًا: عمرًا طويلًا يبدو قصيرًا.

ما الفرق؟!

الفرق في الذاكرة. في الانتباه. في الحضور.

هذه الفكرة تضع المسؤولية علينا. نستطيع أن نختار، في كل لحظة، أن نكون حاضرين أو غائبين. أن نعيش أو نمر بالحياة. والأصعب: أننا نخسر هذه اللحظات إلى الأبد. لا استرجاع لما لم ننتبه إليه. اللحظة التي تمر ولا تسجلها تختفي كأنها لم تكن.

الوقت يمر، هذا صحيح. لكن المشكلة ليست في مروره. المشكلة في أننا لا نلتقطه أثناء مروره. نتركه يتسرب.

ترجمنا هذا الكتاب في دار شفق لأنه يذكرنا بشيء ننساه في زحمة كتب التنمية التي تعاملنا كآلات إنتاج: الحياة ليست ما يحدث لنا. الحياة هي ما ننتبه إليه في خضم ما يحدث لنا.

الكتاب لا يعطيك وصفة جاهزة. وهذا شيء جيد، (أظن!)

لكنه يطرح السؤال الصحيح:

كم من سنوات عمرك تتذكر أنك عشتها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى