ما الذي تغيّر في المشهد؟

صعدت مع مدرب التصوير عدة أدوار في عمارة سكنية بسنغافورة، بحثًا عن إطلالة نصوّر منها المدينة في المساء. وقفنا ننتظر اللحظة المناسبة، ثم بدأنا التصوير. أمامنا أسطح المباني القريبة، وخلفها الأبراج التي أخذت أنوارها تتلألأ، وفوقها السماء في زرقتها المسائية.
انتبه بعض سكان العمارة إلى وجودنا، ثم صاروا يصوّرون معنا المشهد نفسه. كانت بيوتهم تطل على المشهد الذي صعدنا أدوارًا لنراه. بقي ذلك الموقف في ذاكرتي، وصرت أرى فيه، كلما عدت إلى الصورة، سؤالًا يخصني أنا أيضًا: ما الذي أعبره كل يوم، وأحتاج إلى انتباه شخص آخر حتى أراه؟

حدث ذلك في أكتوبر من عام ٢٠١٤. كنت في رحلة عمل، وخصصت يوم استراحة لدورة تصوير فردية، اصطحبني فيها المدرب إلى شوارع المدينة وأزقتها. علّمني كيف أبحث في المشهد المألوف عن صورة جميلة، وكيف يتغيّر ما أراه حين أغيّر موضع وقوفي، أو أمنح تفصيلًا صغيرًا وقتًا أطول من النظر.
أحتفظ من تلك الجولة بصورة دراجة نارية حمراء أمام نوافذ خشبية ملوّنة في حي الهند الصغيرة. الدراجة والجدران والنوافذ عناصر عادية من حياة الشارع، وقد جمعها موضع التصوير في علاقة تستوقف العين. وفي صورة أخرى وجهت الكاميرا عموديًا إلى الأعلى، فأحاطت ناطحات السحاب بمساحة من السماء، مع لوحة مرورية في مقدمة المشهد. نقطع مثل هذه الشوارع منشغلين بوجهتنا، وتظل فوق رؤوسنا تفاصيل نحتاج إلى أن نرفع أبصارنا لنتبينها.


كان المدرب يساعدني على إبطاء تلك النظرة السريعة التي نلقيها على الأشياء ثم نمضي. قد يتغيّر الضوء ونحن في المكان نفسه، أو نقترب من تفصيل فيخرج من ازدحام ما حوله. ويحتاج اكتشاف ذلك إلى وقت وانتباه، كما احتاج مشهد المدينة إلى الصعود والانتظار.
ولعل هذا ما يجعلني أعود إلى واقعة سكان العمارة. نتعرف إلى المكان بقدر ما يلزمنا لإنجاز يومنا، ثم قد نستريح إلى هذا التعرف حتى نعدّه معرفة مكتملة. نعرف الطريق ومداخله، وتبقى فيه تفاصيل لم نسأل عنها، وعلاقات بين الأشياء لم نتوقف عندها. ونحن نحتاج إلى قدر من الاعتياد ييسّر حياتنا ويوفّر انتباهنا لما يشغلنا. وقد يخفت معه الفضول الذي يدعونا إلى الاكتشاف، فنحمل إلى المكان إجابة جاهزة بأنه مألوف. ثم يأتي زائر، أو يتغيّر الضوء، أو نتوقف في موضع مختلف، فنجد أن ما نستطيع رؤيته فيه أوسع مما اعتدنا ملاحظته.
وقد نعود إلى كتاب قرأناه من قبل، فنقف عند عبارة عبرناها سريعًا. الكلمات باقية في مواضعها، وقد تغيّر السؤال الذي نحمله إليها، أو اتسع ما نستطيع ملاحظته فيها.
حين أنظر اليوم إلى صورة سنغافورة مساءً، أتذكر صعودنا وانتظارنا، ثم السكان الذين وقفوا يصوّرون معنا. كانت الإطلالة التي جئنا نبحث عنها جزءًا من يومهم، وفي ذلك المساء وقفنا أمامها معًا.
الصور من أرشيف ساجد العبدلي؛ معالجة رقمية للألوان والتفاصيل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. الرسم الافتتاحي بالألوان المائية صُمّم خصيصًا للمقال.





