أدبقراءة

سبات الصفحة مئة وثلاثة وعشرين!

أنظرُ الآن إلى الرف الأيسر لمكتبتي، إلى تلك المنطقة الرمادية التي أسميتها «منفى الفواصل». هناك، يقبع كتاب بإطار أخضر داكن وسواد طاغٍ، يبرز من منتصفه نتوء ورقي صغير؛ فاتورة قديمة، جف حبرها حتى كادت الأرقام أن تتلاشى. وضعتها هناك كفاصل للقراءة قبل ثلاث سنوات، ولم أعد إليها قط.

تلك الفاتورة تجاوزت كونها علامة لحفظ الصفحة. صارت حدًّا فاصلاً، جدارًا أصمّ قطع تدفّق الحقيقة، وحبس بطل الكتاب في برزخ لا هو موت ولا هو حياة.

المفارقة أن الكتاب الذي هجرته لم يكن رواية خيالية، وإنما سيرة حقيقية وموجعة. والبطل العالق هناك، في الصفحة المئة والثالثة والعشرين، طبيب حقيقي دفع ثمن رؤيته وحده.

أتخيّل ما يحدث الآن في تلك الصفحة التي أغلقتها.

لقد تركتُه في أصعب لحظات حياته. في فيينا، في منتصف القرن التاسع عشر، يصرخ في وجه أطباء عصره بأنهم هم القتلة. كان قد أدرك، بعبقرية الملاحظة، أن الموت يختبئ تحت أظافرهم، وأن حمى النفاس التي تفتك بالأمهات تنتقل عبر أيديهم الملوّثة من غرف التشريح إلى غرف الولادة.

كل ما طلبه منهم كان غسل أيديهم. لحظة تطهير واحدة.

في الصفحة التي توقّفتُ عندها، كان العالم قد أطبق عليه. سخروا منه، اتّهموه بالجنون، وجرّوه قسرًا إلى مصحّة عقلية. هناك وضعتُ الفاتورة، وأغلقت الكتاب ذو الغلاف الأخضر، بكل برود.

بفعلي هذا، شاركتُ—من حيث لا أدري—في مأساته. تركتُه محبوسًا في المصحّة، وحيدًا مع حقيقة لا يصدّقها أحد. توقّف الزمن عند لحظة الانكسار. لم أسمح له بالوصول إلى الصفحات التي يُعاد فيها ترتيب العدالة ولو بعد فوات الأوان.

هذه الكتب التي نتركها في المنتصف تشبه وحدات التجميد في أفلام الخيال العلمي. الأبطال بداخلها ليسوا أمواتًا ولا أحياء. الزمن متوقف عند لحظة واحدة، والوعي محفوظ كما هو. لا يتقدّمون، ولا ينهارون، فقط ينتظرون أن يعود أحد ليُعيد تشغيل السرد.

في نسختي من The Doctors’ Plague (طاعون الأطباء)، لا يزال Ignaz Semmelweis — إجناز سيملويس — هناك، عند اللحظة نفسها التي تركتُه فيها. لم تُغلق جراحه، ولم تُنصف روحه. ينتظر عينًا تقرأ، لتتأثر، ولتشهد. ينتظر قارئًا يكمل، لأن الاكتمال وحده يعيد الأمور إلى سياقها الصحيح.

كلما مرّت سبّابتي على كعوب الكتب في تلك المنطقة الرمادية، يعود السؤال نفسه: هل يشيخ الأبطال وهم ينتظرون إنصافنا؟ أم أنهم يظلون معلّقين في اللحظة التي غادرناهم فيها، بلا زمن، بلا مخرج؟

العودة إلى تلك الصفحة لم تعد ترفًا. صارت واجبًا لإنصاف سيملويس.

أمدّ يدي، أسحب الكتاب الأخضر بوقار. أنفض عنه غبارًا دقيقًا يتراقص في ضوء الغرفة. أفتحه. الصفحة ما زالت هناك. وأنا عدت.

أقلب الصفحة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى