بين الكاتب وصانع المحتوى


كيف غيّرت المنصات معنى الكتابة وأعادت تشكيلها
حين يتوقف الكاتب عن النشر، لا يعني ذلك بالضرورة أنه انقطع عن الكتابة. هذا التفريق يعيد ترتيب الفكرة من أساسها؛ لأن ما يجري اليوم هو قياس الحضور بالظهور، بينما الكتابة في أصلها تسبق الظهور وتتشكّل بعيدًا عنه.
الكتابة ليست فعل عرض، بل اشتغال ذهني. الطريقة التي يلتقط بها الكاتب ما يمرّ به، ويعيد النظر فيه، ويمنحه معنى. قد تكون ملاحظة عابرة، أو إحساسًا داخليًا، أو موقفًا يستوقفه. كل ذلك يدخل في مسار واحد: التفكير. وما الكتابة إلا امتداد لهذا المسار. لذلك يظل الكاتب في حالة كتابة ما دام في حالة تفكير، حتى إن لم يُخرج نصًّا مكتملًا.
المشكلة تبدأ حين تُختزل هذه العملية في لحظة النشر. مع صعود ما بات يُعرف بـ”صانع المحتوى“، تغيّر موقع النص داخل المعادلة. لم يعد يُنظر إليه كوسيلة للفهم، بل كمنتج يجب أن يظهر باستمرار ويُستهلك بسرعة. هذا التحول دفع بعض الكتّاب إلى استحضار القارئ منذ البداية، فيكتبون بعين ما سيُقرأ، لا بعين ما يُفهم.
عند هذه النقطة يتغير مسار الكتابة. تصبح الفكرة مقيّدة منذ لحظتها الأولى، وتُعاد صياغتها وفق ما يناسب العرض. ويزداد هذا الضغط حين يدخل عامل الزمن: مواعيد النشر، وإيقاع المنصات، وثقل الاستمرار. الفكرة بطبيعتها تحتاج وقتًا لتتكوّن، ثم لتتسع، ثم لتستقر. حين تُستعجل، تخرج في صورتها الأولى قبل أن تأخذ حقها. والنص هنا يكون مكتمل الشكل، ناقص العمق.
ومن اللافت في هذا السياق ذلك الكاتب الذي يُقدّم كتابًا أو رواية مع كل دورة لمعرض الكتاب، بإيقاع ثابت يكاد يُشبه الآلة. هذا النمط يلفت الانتباه من حيث الانضباط، لكنه يُثير سؤالًا لا يمكن تجاوزه: هل أُعطيت كل فكرة الزمن الكافي لتختمر؟ الانتظام في الإنتاج لا يكفي معيارًا على جودة الكتابة.
لهذا تبرز مسألة الهوية. على الكاتب أن يدرك موقعه: هل يتحرك بوصفه كاتبًا، أم بوصفه صانع محتوى؟ لا مفاضلة هنا، بل اختلاف في نقطة الانطلاق. صانع المحتوى ينطلق من الخارج، من الجمهور ومتطلبات المنصة. الكاتب ينطلق من الداخل، من الفكرة ومسار تشكّلها. حين تتضح هذه البوصلة، يستقيم كل مسار على منطقه.
ما يحدد حقيقة الكتابة هو استمرار العلاقة بين الكاتب وأفكاره، لا انتظام ظهوره. قد يغيب النص ويبقى الاشتغال. وحين يعود إلى النشر، يعود بنص يحمل أثر الزمن الذي مُنح له.



