
عندما تصبح المكتبة سؤالًا وجوديًا
منذ مدة، مررتُ على تغريدة للعزيز د. عبدالله الأسمري يشير فيها إلى مقالة في صحيفة الفاينانشيال تايمز (Financial Times). العنوان كان كافيًا ليجعلني أنقر على الرابط بلا تردد: “فتحتُ مكتبة لبيع الكتب.. كان ذلك أفضل وأسوأ شيء فعلته في حياتي” (I opened a bookshop. It was the best and worst thing I’ve ever done).
ذهبتُ إلى الموقع وقرأت المقالة كاملة. وكان أول ما لفت انتباهي – قبل القصة نفسها – أن صحيفة اقتصادية عريقة مثل الفاينانشيال تايمز تخصص مساحة لمقالات من هذا الطراز الإنساني. شيء جميل في أن تجد بين صفحات الأرقام والبورصات والتحليلات المالية، مقالة عن امرأة قررت أن تفتح مكتبة صغيرة في قرية ريفية. كأن الصحيفة تقول لقرائها: نعم، الاقتصاد مهم، لكن القصص الإنسانية التي خلفه هي ما يمنح كل هذا معنى.
القصة نفسها كتبتها صاحبة القصة كلوي فوكس (Chloe Fox)، حيث تبدأ في شهر يناير إنجليزي كئيب تحت سماء ويلتشير (Wiltshire) الرمادية. كانت كلوي تشعر بالاختناق في الريف الإنجليزي الهادئ الذي انتقلت إليه قبل خمسة عشر عامًا. كانت تتوق إلى لندن، إلى الضجيج، إلى الثقافة المتدفقة في كل زاوية. وبينما كانت في طريقها إلى الجزار في بلدة تيسبوري (Tisbury) لشراء عشاء يبعث على البهجة، على حد تعبيرها، رأت متجرًا له ثلاث نوافذ مقوسة، معلق عليه لافتة “للبيع”. كان متجر هدايا سابقًا. وهنا بدأت الحكاية.
عندما عرضت الفكرة على المحامي المسؤول عن إجراءات الشراء، كان رده حاسمًا وصادمًا: “مكتبة كتب؟ فكرة رومانسية جميلة، لكنكِ ستفلسين خلال عام”. لم يكن المحامي فجًا، بل كان واقعيًا. عدد المكتبات المستقلة الصامدة في كل بريطانيا ضئيل – حوالي 1052 مكتبة فقط – وقد تضررت بشدة بسبب أمازون (Amazon). هوامش الربح ضئيلة، والضرائب ارتفعت، ومعدلات القراءة تنخفض. ورغم ذلك، غادرت كلوي مكتب المحامي بابتسامة مصطنعة، حيث قررت أن تراهن بكل مدخراتها على تلك النوافذ الثلاث المقوسة التي أسرتها!
قرأت هذا الجزء وشعرت بوخزة في صدري. أنا مؤسس ومدير دار نشر (دار شفق) ، أبيع كتبي عبر الموزعين، ولطالما راودني نفس الحلم: أن أفتح مكتبة خاصة بداري. لكن لطالما حاصرني نفس القلق: هل المشروع مجدٍ اقتصاديًا؟ كم مرة حسبت الأرقام ثم تراجعت؟ كم مرة تخيلت المكان، الرفوف، رائحة الكتب الجديدة، ثم أغلقت دفتر الحسابات، وجمدت الفكرة لأن الأرقام لا تشجع؟
تابعت القراءة. تساءل أبناء كلوي عن سبب إقدامها على هذه الخطوة المتهورة، وكان الجواب يعود بذاكرتها لقبل عقد من الزمان، حين تلقت تشخيصًا صادمًا بإصابتها بسرطان الثدي. في تلك اللحظة المرعبة خارج المستشفى، سألها زوجها: “ماذا نفعل الآن؟”. كان ردها الوحيد الذي خطر لها: “لنذهب إلى مكتبة لبيع الكتب”. بالنسبة لها، كانت المكتبات تجعل كل شيء أفضل – رائحتها، وهدوءها، والوعد الذي تحمله كل صفحة. إنها رفاهية الهروب من الواقع بالنسبة لها.
هنا فهمتُ لماذا فعلت كلوي ما فعلت. لم يكن القرار تجاريًا محضًا، بل كان قرارًا وجوديًا. كان عن المعنى، عن الملاذ، عن شيء أكبر من الأرقام. وهذا بالضبط ما جعل الحلم، وكل حلم مشابه، جميلًا ومخيفًا في آن واحد.
تحول حلم كلوي إلى مشروع شاق. الصيف كان حارًا، وكانت المرأة ممزقة بين كتابة رواية لها وبين تجهيز المتجر. اكتشفت أنها بحاجة لكل شيء: أرفف، وإضاءة، ونظام محاسبي، وخمسة آلاف كتاب يجب دفع ثمنها مقدمًا. تجاوزت الميزانية التقديرية بآلاف الجنيهات، وكانت تجلس أحيانًا في المتجر الفارغ لتبكي بهدوء بجانب دلاء الطلاء، بينما تتخيل المكان ممتلئًا بالكتب وتشعر بقشعريرة من الإثارة.
قرأتُ هذا وتذكرت كل المرات التي جلست فيها أحسب تكاليف مكتبتي المتخيلة. الإيجار، الديكور، والمخزون الأولي، والرواتب، والكهرباء، والتسويق. ولطالما انتهت الأرقام بعلامة استفهام كبيرة حمراء.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مفاجئًا. اكتشفت كلوي أن “المجتمع” هو شريان الحياة للمكتبات المستقلة. حصلت على توجيه مجاني من باتريك نيل (Patrick Neale)، بائع كتب خبير قضى يومًا كاملًا يساعدها. بينما أعد مصرفي محلي لها التوقعات المالية مقابل أن تراجع مسودة مذكراته. أصدقاء ساعدوا في الديكور. ومحرر أدبي سابق راجع قائمة كتبها مجانًا. وفنانة رسمت جدارية للأطفال حبًا في الفكرة. لم يطلب أحد منهم أجرًا ماليًا.
هذا الجزء جعلني أفكر: ربما المشروع ليس فرديًا بالكامل. ربما هناك طاقة خفية في فكرة المكتبة تجعل الناس يريدون المساهمة فيها. ربما لأن المكتبة ليست مجرد متجر تجاري، وإنما فكرة عن الثقافة، وعن المجتمع، وعن شيء نخشى أن نفقده.
قبل أسبوع من الافتتاح، عمّت الفوضى. وصلت الكتب غير مرتبة، فأنشأت كلوي مجموعة واتساب (WhatsApp) لطلب النجدة من المتطوعين. واضطرت لتعلم استخدام ماكينة الدفع قبل الافتتاح بيوم واحد فقط. وفي اليوم الكبير، قلبت اللافتة على الباب إلى “مفتوح”.
دخل أول الزبائن – جدة وحفيدها – ليشتريان كتابًا. بكى شخصان فرحًا بوجود مكتبة في قريتهم. جاءت سيدة تبلغ من العمر 95 عامًا لتقول إنها بقيت على قيد الحياة خصيصًا لترى هذا اليوم. باعت كلوي في ذلك اليوم 150 كتابًا.
وفي نهاية اليوم، بينما كانت تغلق الأنوار وتفكر في تحدي السيولة النقدية وكيفية تزويد
العناوين المباعة، لمحت ظرفًا على عتبة الباب. كان بداخله عشرون جنيهًا إسترلينيًا ورسالة مكتوبة بخط اليد:
“عزيزتي مكتبة فوكس آند كينغ (Fox & King)، أود طلب كتاب. صحتي ليست جيدة والكتب هي دافعي للاستمرار. أرجو الاحتفاظ بالباقي وإعطائه لشخص يحتاجه.. ربما طفل؟ أتمنى لك التوفيق. عندما يصل الكتاب، أرجو وضعه في النافذة، فأنا لا أملك هاتفًا، وبهذه الطريقة سأعرف أنه وصل.”
أنهيت قراءة المقالة وأغلقت الجوال. وجلست أفكر.
هل المشروع مجدٍ اقتصاديًا؟ على الأرجح لا، على الأقل ليس بالمعنى التقليدي للجدوى. هل سيفلس صاحبه خلال عام كما قال المحامي؟ ربما. لكن هل هذا كل ما يهم؟
فكرت في تلك الرسالة تحت الباب. في السيدة التسعينية التي بقيت على قيد الحياة لترى المكتبة. في الشخصين اللذين بكيا فرحًا. هذه أشياء لا تظهر في جداول الأرباح والخسائر، لكنها تظهر في شيء آخر – في معنى ما نفعله، في الأثر الذي نتركه، في الفراغ الذي نملؤه.
لا أعرف إن كنت سأفتح مكتبة يومًا، فالقلق ما زال موجودًا، والأرقام ما زالت صعبة. لكن قصة كلوي ذكّرتني بأن بعض القرارات لا تُتخذ بالعقل وحده. بعض القرارات تُتخذ لأننا نؤمن بأن هناك أشياء تستحق أن نراهن عليها، حتى لو كانت المخاطرة كبيرة.
ولعل السؤال ليس: هل المشروع مجدٍ اقتصاديًا؟ بل: ما الذي سنخسره إن لم نقدم عليه؟!



