طاولة لواحد


قصة قصيرة…
لم أختر أورفييتو، بل اخترتُ أبعد نقطة على الخريطة لا يعرفني فيها أحد. بعد رحيل سلمى صار البيت واسعًا على نحوٍ مهين، وصارت القهوة تبرد في فنجانين أُعِدُّ ثانيهما بحكم العادة ثم أسكبه في الحوض وأنا أكاد أعتذر له. قال لي الأصدقاء: «سافر، فالسفر يداوي». قالوها كأنّ الحزن حقيبة تُنسى في المطار.
في اليوم الثالث، وأنا أهبط زقاقًا حجريًّا يضيق حتى يكاد يعتذر عن ضيقه، فاجأتني رائحة الهيل. الهيلُ في إيطاليا خطأ جغرافيّ جميل، فتبعتُه كما يتبع المرء صوتًا يناديه باسمه القديم. كان المطعم أصغر من لافتته المذهّبة: «تاج أورفييتو». سبع طاولات، وجدران بلون الكركم، ورجل هنديّ في السبعين يمسح كأسًا لا تحتاج إلى مسح.
قال بإيطالية تُطلّ من خلفها لكنة بعيدة: «طاولة لواحد؟»
قلت: «نعم، لواحد».
ابتسم وهو يسحب لي الكرسيّ: «لا أحد يدخل هذا الباب واحدًا يا سيدي، كلّ زبائني يجيئون ومعهم مَن لا أراه».
لم أسأله ماذا يقصد، وهو لم ينتظر أن أسأل. وضع أمامي صحنًا لم أطلبه، عدسًا بالزنجبيل تعلوه سحابة من الكزبرة، وقال: «هذا ما كنتَ ستطلبه لو عرفتَ أنه موجود».
عدتُ في اليوم التالي، ثم صار المساء يمشي بي إليه بلا استئذان. عرفتُ أنّ اسمه راجيش، وأنه غادر مدراس قبل أربعين عامًا خلف امرأة إيطالية اسمها كيارا، تعلّمت لأجله أن تنطق اسم الهيل كما كانت تنطقه أمّه، وتعلّم لأجلها أن يحبّ المطر البارد. طوال أعوامهما معًا كانت مصرّة على أنّ الكزبرة عشب زائد عن الحاجة، وكان يدسّها في صحنها، فتلتقطها ورقةً ورقةً وتضعها جانبًا من غير أن تتوقف عن الكلام. ماتت قبل تسع سنوات، وبقي هو يفتح المطعم كلّ مساء، ويطبخ وصفاتها بيديه ووصفات أمّه بذاكرته.
في الليلة الخامسة، وقد خلا المكان إلا منّا، حدّثته عن سلمى. لم أكن أنوي، لكنّ بعض الأماكن تفكّ أزرار الصدر من غير إذن. قلت له إنني جئت إلى هنا لأنساها قليلًا، فأشعر بالذنب كلما نجحت، وأشعر بالغرق كلما فشلت.
ترك المنشفة على كتفه وجلس قبالتي، وقال: «حين ماتت كيارا، ظننتُ أنّ عليّ أن أختار بين أن أتذكّرها فأتألّم، وبين أن أنساها فأخون. قضيتُ عامًا كاملًا بين الخيارين، ثم فهمت أنّ كليهما سؤال خاطئ».
سألته: «وما السؤال الصحيح؟»
أشار إلى المطبخ خلفه: «التوابل يا صديقي. الهيل لا يقاوم النار ولا يهرب منها، بل يمرّ بها فيصير رائحةً تملأ البيت. قلتُ لنفسي: لن أحمل كيارا حجرًا فوق ظهري، ولن أدفنها تحت التراب، سأطبخها كلّ مساء. كلّ صحن يخرج من هذا المطبخ فيه شيء منها، والزبائن يأكلون ولا يعرفون أنهم يقابلونها».
قد يقول قائل إنّ هذا كلام رجل هرم يجمّل عجزه عن النسيان، وقد قلتُها لنفسي في تلك الليلة وأنا أصعد الزقاق وحدي. لكنني حين استيقظت صباحًا، وجدتني أُعِدُّ فنجانَي القهوة كعادتي، غير أنني لأول مرة منذ عامين لم أسكب الثاني في الحوض، بل شربتُه على مهل قرب النافذة، وكان طعمه كما كانت تُعِدّه تمامًا: هيلٌ زائد قليلًا، وسكّرٌ أقلّ مما ينبغي.
في ليلتي الأخيرة في أورفييتو، سألتُ راجيش: «ألا توحشك مدراس؟» ضحك وقال: «أنا لم أغادرها قطّ، هي تسكن في القِدر الكبيرة هناك». ثم أمسك يدي عند الوداع وقال: «اسمع، الزمن لا يداوي شيئًا، هذه كذبة الأصحّاء. الزمن فقط يعلّمك أين تضع الجرح كي تستطيع المشي».
عدتُ إلى بلدي، وما زلت أُعِدّ فنجانين كلّ صباح. الفرق أنني لم أعد أعتذر للفنجان الثاني.
صرتُ أشربه عنها.



