أدبقراءةنشر

من التنانين إلى الرموز: لماذا تستحق الفانتازيا أن تُقرأ بجدية؟

دخلت عالم الفانتازيا من باب النشر أكثر مما دخلته من باب القراءة.

لفت انتباهي، كناشر، الإقبال الواضح عليها بين القراء الشباب، وحضورها المتزايد في قوائم القراءة والنقاشات ومعارض الكتب. وكان السؤال بالنسبة إليّ مهنيًا في البداية: ما الذي يجذب كل هؤلاء القراء إلى عوالم مليئة بالسحر والممالك والكائنات الغريبة؟

أعترف أنني كنت أنظر إلى الفانتازيا بشيء من التحفظ.

كنت أميل إلى الأدب الذي يقترب مباشرة من الإنسان وواقعه وأسئلته، وأرى في كثير من الفانتازيا نوعًا من الابتعاد عن هذا الواقع.

ثم بدأت أقرأ وأبحث.

وتغيّرت الصورة.

اكتشفت أن التنانين والسحرة والممالك المتخيلة ليست في كثير من الأعمال سوى الطبقة الخارجية للحكاية. تحتها يمكن أن نجد أسئلة شديدة الواقعية عن السلطة، والخوف، والهوية، والموت، والإيمان، والاختيار، والفساد، والحب، والمصير.

وعندها فهمت شيئًا مهمًا: قد يبتعد الأدب كثيرًا عن الواقع في شكله، بينما يقترب منه جدًا في معناه.

لماذا نحتاج إلى عالم غير موجود؟

قارئ ينفتح أمام كتابه عالم خيالي من القلاع والأنهار

هذه ربما المفارقة الأكثر إثارة في الفانتازيا.

الكاتب يبني عالمًا لا وجود له لكي يتحدث عن العالم الذي نعيش فيه.

يخترع مملكة ليتحدث عن السلطة. يصنع وحشًا ليجسد الخوف. يبتكر نظامًا للسحر كي يناقش القوة وحدود استخدامها. ويضع شخصياته أمام مصائر خارقة لكي يختبر أسئلة إنسانية نعرفها جميعًا.

في The Lord of the Rings، مثلًا، يمكن قراءة الرحلة باعتبارها مغامرة كبرى، ويمكن أيضًا قراءتها بوصفها تأملًا في إغراء القوة والصداقة والتضحية والفساد الذي تحدثه السلطة.

وهذه إحدى قدرات الفانتازيا المهمة: تحويل الأفكار المجردة إلى عالم نستطيع رؤيته والدخول إليه.

الفانتازيا عوالم متعددة

مسافر يتأمل عوالم فانتازية تجمع المدن والغابات والقلاع

ومن الأشياء التي غيّرت نظرتي إلى هذا الأدب اكتشافي أن كلمة «فانتازيا» نفسها تخفي وراءها ألوانًا شديدة الاختلاف.

هناك الفانتازيا الملحمية التي تبني عوالم وصراعات واسعة، كما في The Lord of the Rings وThe Wheel of Time.

وهناك أعمال تقوم على بناء عالم كامل له قوانينه وأنظمته، ومنها أعمال براندون ساندرسون مثل Mistborn، حيث يصبح بناء العالم نفسه جزءًا أساسيًا من متعة القراءة.

وهناك الفانتازيا الحضرية والمعاصرة التي تُدخل الغرائبي إلى مدننا وحياتنا اليومية، كما يفعل نيل غيمان في Neverwhere وThe Ocean at the End of the Lane.

وفي اتجاه آخر نجد الفانتازيا المظلمة التي تتحرك في مناطق أخلاقية رمادية، حيث يصعب الفصل بسهولة بين الخير والشر، كما في عالم The Witcher.

ثم هناك الفانتازيا التي تستعيد الأساطير والحكايات القديمة وتعيد صياغتها للقارئ المعاصر، مثل Circe لمادلين ميلر، أو الأعمال التي تستفيد من الموروث الشعبي والأسطوري لبناء عالم جديد.

هذا التنوع جعلني أفهم لماذا يصعب الحديث عن «قارئ الفانتازيا» وكأنه قارئ واحد. من يحب عالمًا قد لا يستمتع بعالم آخر على الإطلاق.

الخيال والهروب من الواقع

يبقى الاعتراض الشائع: أليست هذه الكتب شكلًا من أشكال الهروب؟

ربما يكون بعضها كذلك. ولا أرى في الهروب المؤقت عبر الأدب مشكلة في حد ذاته. فنحن نقرأ أحيانًا للاستمتاع، كما نقرأ للفهم والتأمل.

لكن اختزال الفانتازيا كلها في الهروب يفوّت شيئًا أساسيًا.

الخيال يستطيع أحيانًا أن يقول عن الواقع ما يصعب على الواقعية أن تقوله مباشرة.

حين يضع الكاتب مسافة بيننا وبين حياتنا المألوفة، يمنحنا فرصة لرؤية بعض أفكارنا من الخارج. نصبح أقل دفاعًا عن مسلماتنا، وأكثر استعدادًا لتجربة احتمالات مختلفة.

لهذا كانت الأسطورة، منذ أقدم الحكايات البشرية، وسيلة لفهم الإنسان والعالم.

والفانتازيا الحديثة، في جانب منها، امتداد لتلك الحاجة القديمة إلى أن نحكي المستحيل كي نفهم الممكن.

وماذا عن الفانتازيا العربية؟

مدينة عربية متخيلة تجمع البحر والصحراء والعمارة التراثية

هذا السؤال يهمني كناشر بصورة خاصة.

لدينا في الثقافة العربية مخزون هائل من الأساطير والحكايات الشعبية والكائنات العجيبة والأماكن الغامضة والسرد الشفهي. من ألف ليلة وليلة إلى حكايات الجن والبحر والصحراء والموروثات المحلية المتعددة، توجد مادة تخييلية ثرية جدًا.

لذلك يبدو غريبًا أحيانًا أن نستورد النموذج الأوروبي للفانتازيا بكل قلاعه وفرسانه وتنانينه، بينما لدينا عوالمنا الرمزية الخاصة التي ما زال جزء كبير منها ينتظر من يعيد اكتشافه أدبيًا.

وهنا أرى فرصة حقيقية أمام الكاتب العربي.

المطلوب ليس استبدال تنين أوروبي بجني عربي، وإنما الذهاب أعمق: كيف يمكن أن ينشأ عالم فانتازي من داخل ثقافتنا وذاكرتنا وأسئلتنا؟

عندما يحدث ذلك، يصبح الخيال أكثر أصالة، ويصبح المحلي قادرًا على الوصول إلى قارئ عالمي.

ما الذي تغيّر في نظرتي؟

ما زلت لا أحب كل ما يُكتب تحت عنوان الفانتازيا. وهذا طبيعي؛ فأنا أيضًا لا أحب كل الروايات الواقعية ولا كل كتب السيرة أو التاريخ.

لكنني توقفت عن الحكم على النوع من غلافه الخارجي.

تعلمت أن أسأل عن جودة العالم الذي بناه الكاتب، وعن منطقه الداخلي، وعن شخصياته، وعن الأسئلة التي يحملها، وعن مقدار ما يبقى في ذهن القارئ بعد أن تنتهي المعارك ويختفي السحر.

الفانتازيا الجيدة لا تطلب منك أن تصدق وجود التنين.

إنها تطلب منك أن تصدق الإنسان الذي يقف أمامه.

وهنا، في تقديري، تتحول من حكاية عن عالم متخيل إلى أدب يستحق أن يُقرأ بجدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى