

ذهبتُ إلى المقبرة هذا الصباح. منذ شهرٍ فقط كان أبي بيننا، صوتُه يملأ المكان. واليوم صار عنوانه شاهدًا رخاميًّا يحمل اسمه، في قطعةِ أرضٍ هادئة.
وقفتُ عند قبره. سلّمتُ عليه، دعوتُ له، ثمّ تحدّثتُ معه كأنّه مضطجعٌ بالقرب منّي.
حين رفعتُ رأسي، وقع نظري على ما حول قبره. قبورٌ حديثة بالقرب منه، ما زالت تربتها طريّة، آثار الزيارة بادية عليها، وأخرى مهملة لا يكاد يُقرأ اسمُ مَن فيها. وكلّما امتدّ النظر ابتعدتِ القبور في الزمن: شواهد ذابت حتّى كادت تتساوى بالأرض، وأخرى رغم قِدَمها لا تزال متماسكة، أسماؤها واضحة. أربعون، خمسون عامًا — صفوفٌ من الرحيل على مدّ البصر.
مشيتُ. كانت الشمس ترتفع والهواء ساكنًا، ورائحة الترابِ الرطب تملأ المكان. حين تتساوى الرؤوس تحت هذا التراب، لا يعود للحسب والنسب ثقله ولا للأصل وزنه. الشواهد متشابهة تقريبًا. بعض الأهالي اجتهد فوضع قطعة رخامٍ أنيقة، وبعضهم لم يضع شيئًا لافتًا. والأرض لا تفرّق. تذكّرتُ أبا العلاء وهو يخفض صوته أمام مشهدٍ كهذا: “خفِّف الوطء…” — ثمّ لم أُكمل البيت. لم أكن بحاجةٍ إلى إكماله. الأرض تحت قدميّ كانت تقوله كلّه.
رأيتُ قبورًا عارية من النبات، وأخرى تكاثفت فوقها الحشائش، بل نبتت فوق بعضها أشجارٌ مورقة. ورأيتُ فراشاتٍ ملوّنة تحلّق في كلّ اتّجاه، خفيفة. تحت قدميّ سكونٌ أبديّ، وفوق رأسي حياةٌ لا تتوقّف.
وفي زاوية من المقبرة استوقفني مشهدٌ آخر. مجموعة قبورٍ متجاورة تجمّع فوقها وحولها حمامٌ كثير. كان يحطّ على الشواهد، يطير قليلًا، ثمّ يعود إلى المكان نفسه، كأنّه اختار هذه البقعة بالذات. لم أرَ مثل هذا التجمّع في بقيّة المقبرة. لم أبحث عن تفسير. اكتفيتُ بمراقبته. حياةٌ خفيفة تحطّ على أثر مَن رحلوا، ثمّ تعود لتحلّق.
التفتُّ نحو قبر أبي من بعيد. شاهده الرخاميّ يلمع تحت الشمس. بدا واضحًا، جديدًا، كأنّه لا ينتمي بعدُ إلى هذا المكان.
خرجتُ من هناك وأنا أشعر بحزنٍ طبيعيّ، وهدوءٍ أعمق منه. وفي السيّارة، ضغطتُ زر التشغيل، ووجدتُ نفسي أقود بتمهّل — عادةٌ صنعها أبي فيّ دون أن يدري. كان كلّما شعر أنّني أسرعتُ يرفع كفّه، لا يقول شيئًا. فقط الكفّ. فأفهم. كأنّ كفّه لا تزال مرفوعة. وكأنّني، لأوّل مرّة، أفهم لماذا كان يرفعها!



