أدبكتابة

ساعة جورج أورويل التي دقّت ثلاث عشرة مرّة!

صورة مرافقة للمقالة

يفتتح جورج أورويل روايته 1984 بجملة واحدة تصنع كلّ شيء:

“It was a bright cold day in April, and the clocks were striking thirteen.”

جملة أولى. سطر أوّل. العتبة التي يدخل منها القارئ إلى عالم الرواية بأكمله. ومع ذلك — وهنا المفارقة — فإنّ المترجمين العرب تعثّروا عندها قبل أن يخطوا خطوة واحدة داخل النصّ. أخطأوا في الجملة الافتتاحية. في السطر الأوّل. كأنّ عدّاءً تعثّر وسقط لحظة انطلاق المسدّس.

تصفّحتُ قرابة عشر ترجمات عربية للرواية عبر تطبيق أبجد، فوجدتها جميعًا — جميعًا — تكتب شيئًا من قبيل: “كانت الساعة تشير إلى الواحدة ظهرًا”. وهذا صحيح من حيث المعلومة، لكنّه خاطئ من حيث كلّ شيء آخر.

أورويل لم يكن يخبرك بالوقت.

حين كتب أنّ الساعات كانت تدقّ الثالثة عشرة، لم يكن يريدك أن تعرف أنّها الواحدة ظهرًا. كان يريدك أن تتوقّف. أن تشعر بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام. أن تدخل عالمًا تدقّ فيه الساعات رقمًا لا تدقّه الساعات في أيّ مكان على وجه الأرض.

الساعات الدقّاقة — تلك التي تملأ الميادين والأبراج وأروقة المباني القديمة — لا تعرف الثالثة عشرة. أقصى ما تبلغه اثنتا عشرة دقّة ثمّ تعود. هذا قانونها منذ قرون. حتى في البلدان التي تستخدم نظام الأربع والعشرين ساعة، تظلّ الأجراس تدور في فلك الاثنتي عشرة. لكنّ أورويل جعلها تتجاوز هذا الحدّ. أجبرها على أن تنطق رقمًا غريبًا عنها. وهذا بالضبط ما يفعله الحزب في الرواية: يُخضع حتى البديهيّات لمنطقه، ويُجبر الناس على قبول ما لا يُقبل.

وقارئ أورويل بالإنجليزية يشعر بهذا من أوّل سطر.

لكنّ القارئ العربي لا يشعر بشيء.

لم يسأل أحد من المترجمين نفسه: لماذا لم يكتب أورويل “one o’clock”؟ لماذا اختار “thirteen”؟ ولماذا جعل الساعة “تدقّ” لا “تشير”؟

الفرق ليس لغويًا فحسب. الفرق أنّ أورويل صنع مشهدًا صوتيًا: أجراس تُسمع في شوارع لندن وهي تدقّ رقمًا مستحيلًا. والمترجم حوّل هذا المشهد إلى بطاقة إخبارية عن حالة الطقس والوقت. أزال الغرابة، وأزال معها الدهشة، وأزال مع الدهشة السؤال الأوّل الذي يُفترض أن يتولّد في ذهن القارئ: ما هذا العالم الذي تدقّ فيه الساعات ثلاث عشرة دقّة؟

هذا ليس خطأ ترجميًا بالمعنى التقني. لا أحد أخطأ في القواعد أو أساء فهم المفردة. هذا شيء أعمق: إنّه جهل بما أراد الكاتب أن يفعله. المترجم فهم الجملة بوصفها معلومة فنقل المعلومة. لكنّها لم تكن معلومة. كانت فخًّا أدبيًا منصوبًا بعناية، وكان على المترجم أن يُعيد نصبه بالعربية لا أن يفكّكه ويشرحه.

الترجمة الأمينة كانت ببساطة: “كانت الساعات تدقّ الثالثةَ عشرة“. جملة تربك القارئ العربي كما أربكت جملة أورويل قارئه الإنجليزي. تجعله يتوقّف ويسأل، ثمّ يتقدّم في القراءة وهو يحمل إحساسًا غامضًا بأنّ هذا العالم مكسور من أوّل سطر.

أن يقع مترجم واحد في هذا أمرٌ مفهوم. لكن أن يقع فيه كلّ من ترجم الرواية إلى العربية — فيما اطّلعتُ عليه على الأقلّ — فهذا يقول شيئًا عن طريقة تعاملنا مع الترجمة الأدبية. ثمّة ميلٌ قديم عند المترجم العربي إلى “التوضيح”، إلى أن يكون وسيطًا شارحًا بين النصّ والقارئ. وهذا الميل قد يكون فضيلة في سياقات كثيرة، لكنّه هنا بالذات كارثة. لأنّ أورويل لم يُرد لقارئه أن يفهم. أراد له أن يرتبك.

حين يشرح المترجم ما أراد الكاتب أن يُبهمه، وحين يوضّح ما أراد الكاتب أن يُغمضه، فهو لا يترجم. هو يكتب رواية أخرى.

والقارئ الذي بدأ نسخته العربية من 1984 بجملة عاديّة عن الساعة الواحدة ظهرًا — هذا القارئ دخل الرواية من باب خاطئ. دخل ممرًّا مضاءً حيث كان ينبغي أن يتلمّس طريقه في العتمة.

أمّا أورويل، فقد أدار ظهره منذ الجملة الأولى ومضى. لا يعنيه أن تفهم. يعنيه أن تشعر.

وهذا بالضبط ما سرقته منك تلك الترجمات: الشعور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى