
على شواطئ سر الأسرار
في أثناء قراءتي لرواية دان براون (Dan Brown) الأخيرة سر الأسرار (The Secret of Secrets)، كان مصطلح العلوم النويتية (Noetics) محور الحبكة كلها. البطلة الرئيسية، كاثرين سولومون (Katherine Solomon)، عالمة نويتية على وشك نشر كتاب متفجر عن طبيعة الوعي البشري، كتاب يهدد بتعطيل قرون من المعتقدات الراسخة. اختفاؤها مع مخطوطها يطلق أحداث الرواية، ومحاولة روبرت لانغدون إنقاذها تحرك السرد من براغ إلى لندن ونيويورك.
ما لفت انتباهي كان تأكيدًا لشيء كنت أفكر فيه دائمًا. الرواية ذكّرتني بسؤال قديم كان حاضرًا في تفكيري منذ وقت طويل. مسألة الوعي بالذات، والانتباه الداخلي، وفهم الإنسان لدوافعه وحدوده.
كم مرة جلس أمامي موظف ناجح، محترم في عمله، ملتزم بمواعيده، ثم انهار فجأة؟ يخبرني أنه يجهل متى بدأت المشكلة. كان يعمل بجد، ويحقق الأهداف، ويحصل على الترقيات، منشغلًا بالأداء، بالإنجاز، وبإثبات الكفاءة. الصداع المتكرر، والأرق، والتوتر الذي يستمر حتى في عطلة نهاية الأسبوع – كل هذا كان موجودًا، غائبًا عن وعيه، حتى وصل إلى نقطة اللاعودة.
الإنهاك المهني غالبًا ما يكون نتيجة غياب الوعي بالحدود، وبالدوافع الحقيقية، أو بالمعنى الذي يربط كل هذا الجهد بشيء أكبر من مجرد الأداء. غياب السؤال الحقيقي: هل تعي لماذا تعمل؟ وهل تعي متى يجب أن تتوقف؟
في الكتابة، الوعي فارق حاسم. حين أراجع نصوصي، أو حين أعمل مع مترجمين ومؤلفين في دار شفق، أجد أن ما يميز الكتابة الجيدة هو الوعي بما يُكتب. لماذا هذه الجملة؟ لماذا هذا التركيب؟ ما الذي أحاول قوله حقًا؟
الكتابة بلا وعي تنتج نصوصًا مكررة هشة تشبه بعضها، فتخون صفاء وعمق الفكرة لصالح السهولة.
من هذا الباب جاء اهتمامي المتواصل بهذا المفهوم على المستوى المهني والثقافي. في دار شفق للنشر والتوزيع، أصدرنا في عام 2025 كتابًا بعنوان «الوعي» لـ د. ألكا ودكار (Dr. Alka Wadkar)، تعبيرًا صريحًا عن هذا الاهتمام. اختيار نشر هذا الكتاب كان محاولة لتقديم أداة تساعد القارئ العربي على طرح الأسئلة الصحيحة على نفسه.
رواية دان براون وضعت هذا السؤال في سياق درامي مشوق بالنسبة لي. حولته من قضية طبية أو فلسفية إلى مغامرة فكرية. جعلت الوعي موضوعًا يستحق أن أطارده، أن أبحث عنه، أن أتحدث عنه.
مصطلح العلوم النويتية (Noetics) قد يكون مجالًا خلافيًا. فهناك من ينتقده بشدة، ويعتبره علمًا زائفًا، لكن حضوره في الرواية كان تذكيرًا بسؤال قديم ومتجدد. سؤال يرتبط بالإنسان نفسه في كل سياقاته.
هل نعي فعلًا ما نفعل؟ هل نفهم لماذا نختار ما نختار؟ هل ننتبه إلى أنفسنا قبل أن تنتبه الأزمة إلينا؟
الوعي، في جوهره، ممارسة يومية. أن تلاحظ، أن تسأل، أن تتوقف قبل أن تندفع، أن تفهم دوافعك قبل أن تحاكم نتائجك.
السؤال الأهم من وراء هذا كله، وهو سؤال لا أنفك أطرحه على نفسي: إلى أي حد نعي ذواتنا؟ ومن أي نقطة نبدأ فعلًا؟



