قراءةكتب

حين تتحول الكتب إلى وسيلة فرز طبقي

حين تتحول الكتب إلى وسيلة فرز طبقي

في نقد الفكرة التي تصنف القرّاء إلى راقين وجهلة

هناك لحظة يتحول فيها النقد الأدبي من قراءة للنص إلى محاكمة للناس.

وفي تلك اللحظة تحديدًا، يصبح الحديث أقل اهتمامًا بالأدب، وأكثر انشغالًا بفكرة التفوق الثقافي.

قرأتُ مؤخرًا كاتبًا يتحدث عن دان براون بوصفه نموذجًا للرداءة الأدبية، ثم مضى أبعد من ذلك حين ربط نجاحه بـ«جهل القراء». لم يكن اعتراضه على البناء السردي أو اللغة أو الشخصيات فقط، وإنما على الجمهور نفسه؛ على أولئك الذين اشتروا الرواية، واستمتعوا بها، وانتظروا الجزء التالي منها.

هذا النوع من الأحكام يثير سؤالًا أوسع بكثير من دان براون نفسه:

متى أصبحت القراءة وسيلة لتصنيف البشر؟

لا أعتقد أن دان براون كاتب عظيم بالمعنى الأدبي الكلاسيكي.

أعماله لا تمتلك العمق النفسي الذي نجده عند دوستويفسكي، ولا الحس اللغوي الذي يجعل الجملة الأدبية حدثًا قائمًا بذاته، ولا ذلك الاشتباك الفلسفي الذي يبقى في ذهن القارئ طويلًا بعد انتهاء الرواية. هذه ملاحظات نقدية مفهومة، ويمكن لأي ناقد جاد أن يناقشها بتفصيل.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف في الذائقة إلى اتهام ضمني في الذكاء أو الوعي.

فكرة أن من يقرأ دان براون «قارئ جاهل» تبدو لي اختزالًا مريحًا للعالم.

كأن البشر ينقسمون ببساطة إلى فئتين:

– قراء رفيعون يقرأون الأدب «الحقيقي».

– وقراء سطحيون يستهلكون الروايات التجارية.

بينما الواقع أكثر تركيبًا بكثير.

دان براون يكتب روايات تشويق. هذه هي النقطة الأساسية التي يتجاهلها كثيرون.

هو لا يقدّم نفسه بوصفه وريثًا لبروست، ولا يكتب أصلًا داخل هذا التقليد الأدبي.

هناك أستاذ جامعي يقرأ الروايات البوليسية قبل النوم.

وهناك قارئ بدأ بدان براون ثم انتهى إلى أمبرتو إيكو.

وهناك من يستمتع ببطء توماس مان، ويعود إلى بورخيس لالتقاط طبقاته الخفية، ثم يقرأ بعد ذلك رواية تشويق في رحلة سفر طويلة دون أن يشعر أن ذائقته تعرضت للخيانة.

الإنسان لا يقرأ دائمًا للسبب نفسه.

هناك أيام يبحث فيها الإنسان عن رواية ثقيلة وبطيئة ومشبعة بالتأمل، وأيام أخرى يريد فيها حكاية تدفعه إلى تقليب الصفحات بسرعة. ولا أظن أن أحد الخيارين يلغي الآخر.

بعض الكتب تُقرأ للتأمل، وبعضها للمعرفة، وبعضها للمتعة الخالصة.

ولا أرى أن المتعة الأدبية تهمة تستدعي هذا القدر من الاحتقار الثقافي.

بل إنني أظن أحيانًا أن بعض النخب الثقافية تنظر بعين الريبة إلى أي كتاب ينجح جماهيريًا. كأن الانتشار الواسع بحد ذاته دليل إدانة. فإذا أحب الملايين رواية ما، أصبحت تلقائيًا أقل قيمة في نظر بعضهم. وهذه فكرة قديمة جدًا، تكررت مع الرواية البوليسية، والخيال العلمي، والسينما التجارية، وحتى مع الصحافة الشعبية.

والغريب أن هذا التصور يتجاهل سؤالًا مهمًا:

ما الذي يجعل ملايين البشر يواصلون القراءة أصلًا؟

ليس كل قارئ يدخل المكتبة بحثًا عن كافكا أو إيكو أو ساراماغو. هناك من يريد حكاية جيدة، وإيقاعًا سريعًا، وشخصيات تتحرك، وألغازًا تُحل، ونهاية تجعله يشعر بأنه عاش مغامرة لساعات قليلة. هذه رغبة إنسانية طبيعية، وليست علامة على الجهل.

ثم إن وصف القراء بالجهلاء يحمل في داخله قدرًا من التناقض.

لأن كثيرًا من المجتمعات العربية تعاني أصلًا من ضعف معدلات القراءة، ثم يأتي بعض الخطاب الثقافي ليعامل من يقرأ فعلًا وكأنه يمارس قراءة «ناقصة» أو «غير محترمة» لأنه لم يبدأ مباشرةً من الروايات الثقيلة أو الكتب الفلسفية المعقدة.

بهذا المنطق، تصبح القراءة بابًا للنخبة فقط.

والحقيقة أن عددًا كبيرًا من القرّاء تشكلت علاقتهم الأولى بالكتاب عبر أعمال جماهيرية بسيطة نسبيًا. بعضهم بدأ بدان براون، وآخرون بدأوا بأغاثا كريستي، أو الخيال العلمي، أو الروايات التاريخية السهلة، ثم تطورت ذائقتهم لاحقًا بشكل طبيعي. الثقافة لا تُبنى بالقفز مباشرة إلى القمم، وإنما بالتدرج، والفضول، والتجربة.

أما دان براون نفسه، فمهما اختلف الناس حول قيمته الأدبية، فمن الصعب إنكار أنه يعرف كيف يروي قصة. يعرف كيف يبني التوتر، وكيف ينهي الفصل في اللحظة المناسبة، وكيف يدفع القارئ إلى الاستمرار. هذه مهارة سردية حقيقية، حتى لو لم تكن كافية وحدها لصناعة أدب خالد.

وفي النهاية، لا أظن أن مهمة الأدب أن يمنح القارئ شعورًا بالتفوق على الآخرين.

القارئ الناضج لا يقيس قيمة الناس بما يضعونه على رفوفهم، ولا يحوّل الكتب إلى وسيلة فرز بين «العقول الراقية» و«العقول الجاهلة». لأن هذه النظرة تكشف أحيانًا هشاشة العلاقة بالثقافة أكثر مما تكشف عمقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى