الاتزان الحياتيالوعي الذاتي

حين يخفت البريق

سؤال الجدوى

لطالما راودني سؤال الجدوى: جدوى ما أفعل، وجدوى ما أسعى إليه، وجدوى المكاسب التي يُفترض أنها تمثل ذروة النجاح. لم يكن هذا السؤال طارئًا أو وليد مزاج عابر، بل نتاج خبرة متراكمة عبر سنوات طويلة. في كل مرة كنت أصل فيها إلى مكسب ما—منصب، أو تقدير، أو مردود مادي—كنت ألاحظ أن أثره في داخلي يخفت سريعًا، وأن بريقه يتلاشى حتى يغدو أمرًا عاديًا، كأنه لم يعد يحمل ذلك الوعد الذي دفعني نحوه.

مع الوقت أدركت أن المشكلة لا تكمن في المكاسب ذاتها، بل في قدرتها المحدودة على منح معنى دائم. الاعتياد يفرغها من قيمتها، والمقارنة تستهلك أثرها، وما يبدو إنجازًا في لحظة يتحول إلى محطة عابرة في اللحظة التالية.

وسط هذا التكرار، اتضحت لي معادلة مختلفة. ما يجعلني أواصل الحركة ليس الوصول وتحقيق الهدف، بل الرحلة نفسها. أن أجد في السعي ما يشبعني داخليًا، ما يمنحني شعور الرضى عن الذات ومتعة العمل وراحة نفسية ترافق الجهد اليومي. أن يكون ما أفعله منسجمًا معي، نابعًا من قناعة داخلية، غير معلق بإبهار أحد أو انتظار تصفيق.

ثم تبيّن لي الأمر الأعمق: حين أستطيع أن أربط ما أقوم به بمرضاة الله، وأن أرى في عملي وجهة أخروية واضحة، يتغير كل شيء. السعي عندها يكتسب وزنًا آخر ومعنى أوسع، امتدادًا يتجاوز حدود اللحظة والدنيا. يصبح للفعل قيمة لا يبددها الاعتياد ولا ينتقص منها غياب الاعتراف، ولا حتى الفشل في الوصول أو تحقيق الهدف!

هكذا استقر لدي يقين بسيط في صياغته، عميق في أثره: ما لا يرضي الذات في رحلته ولا يتصل بالآخرة في غايته، يبقى ناقص المعنى مهما كبر حجمه أو علا شأنه. بينما ما يجمع الرضى الداخلي مع القصد الأخروي يظل صالحًا للاستمرار، حتى حين يخفت البريق وتغيب الضوضاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى