الاتزان الحياتي

حبسة الكتابة: حين يتوقف القلم دون إنذار

في بدايات مسيرتي مع الكتابة، كنت أرتعب من حبسة الكاتب.

كنت أراها علامة نهائية، إشارة خفية إلى أن المعين قد نضب، وأن ما كُتب ربما كان آخر ما يمكن أن يُكتب. كل توقف مفاجئ كان يبدو كحكم قاسٍ على قدرتي على الاستمرار.

عبر السنوات، ومع تراكم التجربة، تغيّرت علاقتي بهذه الحالة. لم تختفِ، لكنها فقدت قدرتها على إخافتي.

صرت أراها على حقيقتها: توقفًا له أسباب متعددة، تتدرج من أشياء يومية عابرة إلى مسائل أعمق تمس الفكرة والكتابة نفسها.

حين يكون السبب أبسط مما نتصور

حبسة الكتابة لا تأتي دائمًا من فراغ.

أحيانًا يكون السبب بسيطًا إلى حد أننا لا نلتفت إليه: مزاج غير صافٍ، وقت غير مناسب، إرهاق متراكم، انشغال ذهني، أو يوم مزدحم لم يترك مساحة كافية للجلوس والإنصات.

هذه أسباب عادية جدًا. ومع ذلك، كنت في البدايات أمنحها معنى أكبر من حجمها. أفسّر التوقف تفسيرًا قاسيًا، وكأن الكتابة ينبغي أن تكون متاحة لي دائمًا، وفي كل الظروف.

ومع الخبرة فهمت أن الكاتب إنسان قبل أن يكون كاتبًا. تتأثر قدرته على الكتابة بالنوم، والمزاج، والانشغال، والقلق، والصحة، وما يجري حوله.

أحيانًا يكون أفضل ما يمكن فعله أن نغلق الصفحة ونعود إليها غدًا.

حين تتوقف الفكرة قبل القلم

هناك مستوى آخر من الحبسة، أكثر عمقًا.

يحدث حين نحاول الكتابة قبل أن تكتمل الفكرة في داخلنا، أو حين يكون الموضوع أوسع من التحضير الذي أنجزناه له، أو عندما نستعجل صياغة رأي لم نمنحه الوقت الكافي لينضج.

في هذه الحالة، يتوقف الفهم قبل أن يتوقف القلم.

يمكن أن نجلس ساعات أمام الصفحة، نحذف ونكتب ونبدأ من جديد، بينما المشكلة الحقيقية تقع في مكان آخر: ما زلنا لا نعرف على وجه الدقة ماذا نريد أن نقول.

هنا تعلمت أن أعود خطوة إلى الوراء.

أقرأ أكثر. أدوّن أسئلة. أبحث. أترك الفكرة لبعض الوقت. أتحدث عنها مع شخص آخر. وفي أحيان كثيرة أكتشف بعد ذلك أن الكلمات بدأت تأتي من تلقاء نفسها.

المشكلة لم تكن في قدرتي على الكتابة، وإنما في أن الفكرة كانت تحتاج إلى مزيد من النضج.

الحبسة بوصفها إشارة

هذه إحدى الأفكار التي غيّرت علاقتي بالكتابة.

حبسة الكتابة إشارة تستحق أن نصغي إليها.

قد تشير إلى حاجة الجسد للراحة، أو إلى تشوش الذهن، أو إلى أن الموضوع لم ينضج بعد، أو إلى أننا نسير في اتجاه غير مناسب.

وحين تغيّرت نظرتي إليها، تغيّر تعاملي معها.

توقفت تدريجيًا عن الضغط على نفسي لتجاوزها بالقوة. بدأت أتعامل معها بوصفها جزءًا طبيعيًا من مسار الكتابة.

فالكتابة تتحرك بإيقاعها الخاص. تتقدم أحيانًا بسرعة مدهشة، وتهدأ أحيانًا أخرى. هناك أيام نكتب فيها صفحات في جلسة واحدة، وأيام نقضيها مع فقرة واحدة.

وكلاهما جزء من العمل.

ماذا أفعل عندما تتوقف الكتابة؟

مع مرور الوقت تكوّنت لدي مجموعة من الوسائل البسيطة التي ألجأ إليها عندما أشعر بأن الكتابة توقفت:

  • أغيّر وقت الكتابة بدل الإصرار على وقت واحد.
  • أغيّر المكان أو الهيئة؛ أحيانًا يكفي تبديل الكرسي أو الجلوس قرب نافذة.
  • أخرج للمشي دون أن أحاول التفكير عمدًا في النص.
  • أقرأ قليلًا، لإعادة تنشيط الحس اللغوي والفكري.
  • أعود إلى البحث والتحضير إذا شعرت بأن الفكرة ما زالت غير واضحة.
  • أناقش الموضوع مع شخص آخر؛ سماع الفكرة بصوت مسموع يكشف أحيانًا ما لم تكشفه الصفحة.
  • أكتب شيئًا آخر تمامًا، ثم أعود إلى النص لاحقًا.
  • وأحيانًا أترك الكتابة وشأنها.

هذه الوسائل لا تنجح بالطريقة نفسها في كل مرة. الفكرة الأهم عندي هي ألا أحوّل توقفًا مؤقتًا إلى حكم على قدرتي على الكتابة.

بعد سنوات من الكتابة

ربما كان أكبر ما تعلمته من حبسة الكتابة أن علاقتنا بالقلم تتغير كلما طالت صحبتنا له.

في البداية نريد ضمانًا بأن الكلمات ستأتي كلما جلسنا للكتابة. ثم نكتشف مع الوقت أن مثل هذا الضمان غير موجود.

هناك أيام سخية، وأيام شحيحة.

هناك أفكار تولد مكتملة تقريبًا، وأخرى تحتاج أسابيع أو أشهر حتى تعرف شكلها.

والكاتب الذي يستمر طويلًا يتعلم احترام هذا الإيقاع.

لذلك، عندما تتوقف الكتابة الآن، لا أسأل نفسي كما كنت أفعل قديمًا: هل فقدت قدرتي على الكتابة؟

أسأل سؤالًا أبسط وأكثر فائدة:

ما الذي تحاول هذه الحبسة أن تخبرني به؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى